من يدفع الرئيس الفلسطيني إلى الاستقالة

استمرار محمود عباس يمثل صيغة مريحة لإسرائيل والولايات المتحدة المتراخية عن القيام بدور حيال استئناف عملية المفاوضات وتوفير الدعم للبدء في عملية تسوية سياسية تؤدي إلى تهيئة الأجواء لحل الدولتين.
الاثنين 2021/09/27
إخفاقات متعددة

زادت الضغوط السياسية الواقعة على الرئيس محمود عباس (أبومازن) لدفعه نحو ترك منصبه في قمة هرم السلطة الفلسطينية، فقد أمضى الرجل صاحب الـ84 عاما نحو 17 عاما في مقعده، شهدت فيها المؤسسات الفلسطينية درجة عالية من التفكك، ونال الانقسام من مكانة معظم الحركات، وأبرزها حركة فتح.

فوّت أبومازن الكثير من الفرص لضمان انتقال سياسي سلس في السلطة، ويتمسك بمقعده حتى آخر نفس في حياته وقاوم العديد من الضغوط الداخلية والخارجية لحثه على الاستقالة والتقاعد، وهو يعلم أن غيابه بحكم الطبيعة الإنسانية آت لا محالة وسوف يحدث ارتباكا أشد خطورة في هياكل السلطة الفلسطينية.

رفض الاستماع إلى من نصحوه بضرورة ترتيب البيت الفلسطيني من الداخل في وجوده وتسببت تصوراته في تخفيض القبول بسلطته السياسية في الشارع وزيادة حدة الخلافات داخل فتح، معتقدا أنه يقبض على جميع خيوط الحركة، وفي مقدمتها خيط المنح والمنع المادي الذي يستخدمه كسيف مسلط على رقاب البعض لشراء ولائهم.

أشار استطلاع أجراه المركز الفلسطيني للإحصاء والأبحاث السياسية وبالتعاون مع مؤسسة كونراد أنداور أخيرا إلى أن 78 في المئة من الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة يؤيدون استقالة أبومازن، و73 في المئة غير راضين عن أدائه السياسي.

وأظهر الاستطلاع أن 59 في المئة يشعرون بعدم الثقة تجاه السلطة الفلسطينية، وأنها أصبحت عبئاً على الشعب، و83 في المئة يعتقدون بوجود فساد في مؤسساتها.

تكشف هذه الأرقام التي يمكن التعامل معها على أنها مؤشرات استرشادية في هذه المرحلة، أن شعبية الرئيس الفلسطيني تآكلت سياسيا، وبصرف النظر عن هوية الجهة التي قامت بالاستطلاع وعدد المشاركين فيه، فهو في النهاية يكرس الانطباعات السلبية حول الرجل، خاصة أنه جرى التعامل مع نتائجه على نطاق واسع.

تنبع أهمية قياسات الرأي العام عموما من تقديمها ملامح حول القضية محل الاهتمام، ولأن شعبية أبومازن المتراجعة تشعر بها قطاعات عديدة محكومة من جانب السلطة الفلسطينية أو خارج سيطرتها، فقد أصبح الاستطلاع الأخير محل ثقة ويتم تداوله باعتباره يعكس المشهد الراهن الذي أصبح فيه الرئيس الفلسطيني في موقف حرج.

يأتي الحرج من عدم قدرته على تسيير أمور السلطة الفلسطينية بالطريقة التي تلبي الطموحات الدنيا للمواطنين القابع أغلبهم تحت قبضة الاحتلال الإسرائيلي، وتجاهله حجم التفسخ الحاصل في جسم حركة فتح، وعدم اكتراثه بإجراء الانتخابات التي وعد بها بمستوياتها الثلاثة، التشريعي والرئاسي ومنظمة التحرير.

وقد استراح إلى رفض إسرائيل إجراء الانتخابات في القدس المحتلة واتخذها تكئة لتجميد المسار الانتخابي، وكان عليه البحث عن مخرج لإيجاد وسيلة للتغلب على هذه المشكلة أو تحميل المجتمع الدولي مسؤولية تخاذله عن ممارسة ضغوط على إسرائيل.

استسلم أو ارتاح أبومازن للانقسامات على الساحة الفلسطينية وحولها إلى أداة للمتاجرة السياسية وتبرير تمسكه المستمر بالسلطة، مع أنه كقائد كان من الواجب أن يضرب المثل بالتنازل عنها طواعية وإعادة هيكلة مؤسساتها المتداعية.

أسهمت إخفاقاته في رفع منسوب الغضب الداخلي من سلطته، وظهرت معالمه في التظاهرات الرافضة لإدارتها الأمنية للدرجة التي ساوى البعض بين بطش أجهزتها وقوات الاحتلال، وعندما يتساوى الأمر في هذه المسألة تفقد السلطة هيبتها وتوفر لخصومها الكثير من وسائل الدعم والقدرة على المناكفة والمنافسة.

حققت حركة حماس العدو اللدود لرئيس حركة فتح جانبا كبيرا من شعبيتها من تدني مستوى الأداء السياسي له أكثر من قدرتها على تحقيق إنجازات حقيقية على الأرض، لأنه اعتمد على فكرة الردع عبر الفراغ والخوف من نتائجه، واللجوء إلى العزف على وتر الرئيس الضرورة الذي تضخم بصورة جعلته يقدم على اجتهادات لا منطقية.

قدم أبومازن في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الجمعة مقترحا خياليا جاء في شكل إنذار لإسرائيل تضمن حثها على التسليم بقيام دولة فلسطينية على حدود 1967 وهو يفتقر إلى الحد الأدنى من التلاحم الوطني الذي يبرر طرح هذه الفكرة حاليا.

لم يستثمر الرئيس الفلسطيني الزخم السياسي الذي حدث عقب وقف الحرب على غزة في الحادي والعشرين من مايو الماضي، ولم يستفد من تعهد الإدارة الأميركية تحت قيادة جو بايدن بالعمل على الحل وفقا لصيغة الدولتين، ولم يعبأ بمساندات عربية ودولية عديدة ليصلح حال سلطته ويجمع الشمل الفلسطيني.

مهما كان تعنت حماس وغطرستها السياسية وتسببها في إفشال الكثير من جولات الحوار الوطني، فهو كزعيم يتحمل مسؤولية تاريخية تفرض عليه التعامل مع قضية بلاده بتجرد من النوازع الشخصية والحركية، لأن ما خسرته فلسطين في عهده على مدار السنوات الماضية قد يفوق ما حدث خلال نكبتي 1948 و1967.

كانت هناك في ذلك الوقت أمنيات للتخلص من الاحتلال ثم تواضعت إلى إقامة دولة فلسطينية في عهد سلفه الرئيس الراحل ياسر عرفات، والآن أصبح تحقيق الحلم نوعا من الهذيان، ففي عهد أبومازن قامت إسرائيل بأكبر عملية استيطان في الضفة الغربية وتمكنت من تغيير هوية القدس الشرقية وتم نقل عدد من سفارات الدول إليها، والأخطر حالة الفصل الخطيرة بين الضفة وغزة.

يمثل استمرار أبومازن صيغة مريحة لإسرائيل والولايات المتحدة والكثير من القوى الدولية العاجزة أو المتراخية عن القيام بدور حيال استئناف عملية المفاوضات وتوفير الدعم اللازم للبدء في عملية تسوية سياسية تؤدي إلى تهيئة الأجواء لحل الدولتين.

يعد وجود الرجل ذا أهمية سياسية لبعض القوى ولا يمثل إزعاجا لها، وربما تحوّل استمراره إلى ورقة تبرر بها عدم تفاعلها مع المطالبة باستئناف المفاوضات، وتفسر من خلالها رفضها ممارسة ضغوط على إسرائيل لوقف انتهاكاتها، فكيف تقدم على تصرفات من هذا النوع وثمة سلطة يرأسها رجل لم يستطع التفاهم مع قواه السياسية في الداخل ولم يحقق لشعبه قدرا ضئيلا من العدالة الاجتماعية؟

يصعب الرهان على أي قوى خارجية لدفع أبومازن إلى الاستقالة، ولا يوجد سوى رهانين لا ثالث لهما، أحدهما اتساع نطاق الغضب الداخلي على السلطة التي تمد لها إسرائيل أنابيب الأكسجين لإنقاذها أحيانا، والآخر أن توافيه المنية.

في هذه الحالة من المتوقع أن يحدث الفراغ الكبير الذي يقود إلى سيناريو أشد قتامة مما هو عليه الحال الآن، حيث يزداد التشرذم داخل حركة فتح وربما الاقتتال، وتبدأ طموحات حماس تتزايد في الهيمنة على الضفة الغربية بجانب قطاع غزة، الأمر الذي يمثل قلقا لبعض القوى الإقليمية والدولية وتبدأ مرحلة جديدة من إدارة الصراع مع إسرائيل يمكن أن تقضي على ما تبقى من بصيص أمل للقضية الفلسطينية.

9