من يدفع الفاتورة؟

مسألة من سيدفع الفاتورة سواء كان الرجل أو المرأة لم تعد أكثر إثارة للجدل، بسبب أن الكثيرين يعتقدون أن تقاسم الفاتورة يعد شكلا من أشكال تجسيد المساواة بين الجنسين.
الجمعة 2019/01/18
التشارك في المهام الأسرية والمجتمعية يساعد الجنسين على تحقيق التوازن

يحاط الرجال منذ نعومة أظفارهم، وخصوصا في المجتمعات الشرقية، بالكثير من الأحكام المسبقة والأفكار المجتمعية المعلبة عن الرجولة، ما يرسّخ لديهم هوية ذكورية مبنية على فكرة التسيّد والسيطرة على النساء.

وكذلك الأمر بالنسبة للنساء، فمعظمهن ينشأن في أوساط أسرية واجتماعية توجهها منظومة ثقافية تقوم على مبدأ قوامة الرجل على المرأة في عدة أمور، ما يجعل هذه الأفكار، تكون بمثابة الأداة “القياسية” التي تصنف من خلالها النساء مواقف الرجال بـ”الرجولية” وتتعاطى معها وفق المنظور الاجتماعي الراسخ في الأذهان، وقد يصل الأمر في أحيان كثيرة إلى الطعن في رجولة البعض عندما لا تتطابق تصرفاتهم وسلوكياتهم مع الخلفيات الثقافية السائدة في مجتمعاتهم.

وقد كشفت الكثير من الأبحاث كيف تدفعنا بعض المعتقدات المجتمعية، وبشكل لا شعوري -تقريباـ إلى تصديق ما نعلم أنه غير حقيقي.

وهكذا تساهم الأحكام المسبقة في ترسيخ مفهوم ضرورة انصياع وطاعة المرأة للرجل، ومثل هذه الخرافات الثقافية تنمو في أذهان الأطفال منذ مراحل أعمارهم المبكرة، فتجعل الأولاد والفتيات يتقمصون أدوارا مختلفة ومتوقعة منهم بطريقة شبه لا شعورية.

لنأخذ على سبيل المثال، كيف جرت العادة في مجتمعاتنا العربية أن يدفع الرجل تكاليف المشروب أو الطعام عندما يكون برفقة حبيبته أو خطيبته أو زوجته في أحد الأماكن العامة، وإن صادف وكسّر هذا التقليد بسبب عدم حوزته على المال، وطلب من خطيبته أو زوجته أو حبيبته التكفل بدفع الفاتورة، فإن الأمر قد تقبله الزوجة لأنها لا ترى فرقا بينهما فالأسرة واحدة، وقد تتقبله الخطيبة على مضض بسبب الشكوك التي تنتابها بشأن نيات زوج المستقبل، لكن ذلك يمكن أن يعطي للحبيبة إشارة سيئة، فيصبح هذا الرجل بنظرها مشكوك في شهامته ورجولته، بسبب ما ترسخ في ذهنها من أن الرجل يجب أن يدفع الفاتورة دائما، ويمكن أن يتحول هذا الأمر إلى موضوع للسخرية والتندر إذا سمع به المقربون منها، وقد تكتب لتلك العلاقة نهاية عاجلة قبل البداية.

كشفت الكثير من الأبحاث كيف تدفعنا بعض المعتقدات المجتمعية، وبشكل لا شعوري -تقريباـ إلى تصديق ما نعلم أنه غير حقيقي

لكن في العصر الحديث، ظهرت الكثير من المؤشرات الملموسة التي تفنّد التصور الخاطئ عن الرجولة، وخصوصا في البلدان الغربية أين أصبح من المعتاد أن نرى النساء يشاركن في دفع الفاتورة عند لقائهن مع رجل في مكان عمومي، حتى وإن كان صديقهن في أحيان كثيرة، وفضلا عن ذلك فإن مسألة من سيدفع الفاتورة سواء كان الرجل أو المرأة لم تعد أكثر إثارة للجدل، بسبب أن الكثيرين يعتقدون أن تقاسم الفاتورة يعد شكلا من أشكال تجسيد المساواة بين الجنسين.

وتفيد هذه التغييرات النساء والرجال على حد سواء، حيث أظهرت الأبحاث أن التشارك في المهام الأسرية والمجتمعية، بما في ذلك الأعباء المالية، يساعد الجنسين على تحقيق التوازن ويجنّب علاقتهما الصدمات النفسية والاجتماعية.

ونتمنى أن يأتي الوقت الذي تزول فيه معظم الأحكام المسبقة التي تفرض الكثير من المعايير على الرجال، وتجعلهم يعتقدون أن الرجل مطالبٌ بأن يكون صلبا وقويا، وذا سطوة على المرأة، ويتوقع من النساء أن يكن ضحايا ومستضعفات وأكثر يقظة ورضوخا للرجال في كل مجال من مجالات حياتهن.

مثل هذه الافتراضات والأحكام المسبقة تجد مجالا للازدهار والسيطرة على الذهن، حينما نختار تصديق ما نعلم أنه غير حقيقي. وما لم نعترف بهذه المشكلة ونواجهها، فستستمر تلك الأفكار البدائية البالية في تحميل الرجل والمرأة أكثر من طاقتهما، وتمنع الاحترام والتوافق بينهما.

21