من يدفع بالغنوشي إلى حكم تونس؟

النهضة الجماعة المنغلقة على ذاتها لا تزال غير قادرة على قيادة المجتمع بتصورها العقائدي الباحث عن منافذ للتمكين ضمن مشروع ما زال عاجزا عن إثبات قدرته على الحفاظ على سيادة الدولة التونسية.
الأربعاء 2019/07/10
الدفع بالغنوشي إلى رئاسيات 2019 هو دفع به إلى نهايته السياسية

يبدو أن حركة النهضة بدأت تواجه حقيقة الاختلافات في داخلها، فجيل الشباب ليس جيل الكهول والشيوخ، وفئة المهاجرين من أصحاب الجنسيات المزدوجة أو الإقامات الدائمة في الخارج ليست ذاتها فئة السجناء في عهد النظام السابق، والمرتبطون براشد الغنوشي ليسوا هم المرتبطون بفكرة الحركة، والبراغماتيون المتفاعلون مع الحسابات السياسية البحتة ليسوا العقائديين المتشبثين بمشروع الإسلام السياسي كمشروع للتمكين، وحتى على المستوى الجهوي والمناطقي يبدو هناك خلاف يحاول أن يخرج إلى العلن لكن يتم وأده في كل مناسبة بالحديث عن الأخطار المحدقة بالحركة ككل ليس في الداخل فقط وإنما إقليميا ودوليا كذلك.

أولا هناك مركزية القيادة في شخص راشد الغنوشي الذي يدير الحركة بمقدرات من يتحكم في السلطة والمال والاستثمارات التي  ينفرد بمعرفة تفاصيلها وحيثياتها، وكذلك الأمر بالنسبة للعلاقات الخارجية التي يديرها بمساعدة صهره رفيق عبدالسلام، وببعض المقربين منه ممن تبقى أدوارهم حبيسة ملفات محددة ترتبط بمواقع تحركاتهم دون غيرها.

الغنوشي يقود الحركة كمرشد أعلى وكأب مؤسس ووريث شرعي لكل من شاركوه بدايات التأسيس، قبل أن ينسحب بعضهم بإرادتهم أو يتم سحب البساط من تحت آخرين بعد أن باتوا يمثلون عبئا عليه. كما أنه ممثل الحركة في مفاوضات الداخل التوافقية، وفي العلاقات مع الخارج وهو الذي يمثل أحد رموز المحور الإخواني إقليميا ودوليا، وبالمقابل يقدم نفسه كعنوان لما يصفه بالإسلام الديمقراطي والهادف إلى تمرير مشروعه في عواصم الغرب بالخصوص، بعد أن ارتبط الإسلام السياسي عموما بالعنف والإقصاء العقائدي أو بالخداع التكتيكي للحفاظ على مقومات الطموح الإستراتيجي العابر للحدود.

تشهد حركة النهضة حاليا مؤاخذات بعض قادتها للغنوشي وفريقه على دعم الشاهد الذي سيعود حتما إلى مدرسته الأولى، لكن اليوم لم يعد هناك مجال للعودة إلى الوراء

وليس جديدا القول إن الغنوشي عاش مرحلة مهمة من حياته في الخارج، واندمج في المشروع الإسلامي وضع كل بيض حركته ضمن التحالف القطري التركي مع حركات الإسلام السياسي في المنطقة، وهو ما يثير حفيظة بعض قياديي الداخل خاصة ممن لا يربطون مصالحهم بالمشاريع الإقليمية، ولم يتورطوا في صفقات مع أطراف أجنبية، وبالتالي لم تؤثر علاقاتهم مع الخارج في مواقفهم، ولا في الحسابات الخفية التي تدفع بتونس إلى سياسات المحاور.

واليوم عندما تحاول بعض الأطراف الدفع براشد الغنوشي إلى الترشح للانتخابات الرئاسية، فإن للأمر علاقة بالخارج وبحالة الإسلام السياسي في المنطقة، حيث تسعى بعض القوى إلى تحقيق رمزية الوصول إلى قصر الرئاسة بقرطاج، بما يعنيه ذلك من القيادة العليا للقوات المسلحة في منطقة ملتهبة، والإشراف على الدفاع والخارجية، وهو ما سيمثل وفق المراقبين ورطة لحركة النهضة أكثر من أن يكون كسبا حيث سيجعلها في صدارة المشهد بما يفرض عليها من قرارات قد لا تكون نتائجها أقل وطأة مما حدث في مصر في يونيو 2013.

فماذا سيكون موقف الغنوشي لو كان رئيسا لتونس إزاء ما يدور في ليبيا حاليا؟ هل كان سيدفع بمسلحين لدعم الميليشيات في وجه الجيش الوطني؟ أم كان سيفتح الحدود لنقل الأسلحة والمرتزقة كما حدث عام 2011؟ وماذا كان سيكون موقفه من الملفات العربية الحارقة؟ هل كان سيحكم وفق إرث الدولة التونسية المعتدلة، أم وفق خيارات الحليف التركي المتنطع الذي لم يترك لنفسه صديقا في جواره؟

أصحاب النوايا السيئة يقولون إن الدفع بالغنوشي إلى رئاسيات 2019 هو دفع به إلى نهايته السياسية، فانتماؤه العقائدي يجعله محل دعم غير محدود من قبل أنصار النهضة، ورفض غير مسبوق من قبل بقية الطيف السياسي، ورصيد الحركة الانتخابي وفق انتخابات 2014 و2018 (البلدية) وحتى وفق نتائج استطلاعات الرأي حول نوايا التصويت لا يعطيه أي أمل في الفوز، كما أن كل الأطياف المدنية واليسارية ستتحالف ضده، وسترمي به خارج اللعبة نهائيا. حيث أن النهضة رغم ما يقال عن تنظيمها الهيكلي وانضباطها العقائدي تبقى جماعة ذات خصوصية في مجتمع لا يزال ينظر إليها بحذر وريبة، وهو ما يجعلها تصر على البقاء في الحكم لحماية نفسها، وفق ما ورد في تصريح لعبدالفتاح مورو نائب رئيس الحركة.

بعض الأطراف الأخرى تقول إن الغنوشي الذي سيغادر رئاسة النهضة في 2020، قد يترشح للانتخابات عن دائرة تونس 2 أو نابل 2 كتمهيد لانتخابه رئيسا للبرلمان، وهو أمر غير مضمون إلا في ظل توافقات مع القوى المؤهلة للفوز بالأغلبية، والتي تبدو غير واضحة حسب ما أظهرته استطلاعات الرأي.

الغنوشي يقود الحركة كمرشد أعلى وكأب مؤسس ووريث شرعي لكل من شاركوه بدايات التأسيس، قبل أن ينسحب بعضهم بإرادتهم أو يتم سحب البساط من تحت آخرين بعد أن باتوا يمثلون عبئا عليه

لذلك تحاول الحركة الضغط بقوة على رئيس الحكومة وزعيم “تحيا تونس” يوسف الشاهد للتوصل إلى اتفاق حول تقاسم الحكم قبل الانتخابات، بينما يظهر في الصورة أن الشاهد عاد إلى جلباب الباجي قائد السبسي، وسيكون مرشحه للرئاسيات بدعم من نداء تونس، وبقبول إقليمي دولي. فقائد السبسي لن يقبل أن يُتركَ قصر قرطاج إلا لمن ينحدر من المدرسة البورقيبية ويحافظ على إرثها الدبلوماسي المعتدل ويأتمنه على القيادة العليا للقوات المسلحة وكذلك على النموذج المجتمعي المتعارف عليه.

وتشهد حركة النهضة حاليا مؤاخذات بعض قادتها للغنوشي وفريقه على دعم الشاهد الذي سيعود حتما إلى مدرسته الأولى، لكن اليوم لم يعد هناك مجال للعودة إلى الوراء، رغم أن رئيس مجلس شورى الحركة عبدالكريم الهاروني قال إنهم يمارسون التفاوض مع رئيس الحكومة من أجل بقائه على رأس الحكومة بشروط أو تخليه عن منصبه بشروط، وأنهم ما زالوا يتفاوضون معه ويقدمون شروطهم من أجل شراكة حقيقية وفق تعبيره، ولكن أية شراكة؟ هل التي تدفع بالغنوشي إلى رئاسة الدولة أم رئاسة البرلمان؟

قد لا يترشح الغنوشي لهذه الرئاسة أو تلك، وقد يكتفي بالبحث عن العصفور النادر الذي سبق وأن تحدث عنه، ولكن المؤكد أن هناك خلافات داخل هيكله وما تخلي لطفي زيتون عن دوره كمستشار سياسي له، إلا إشارة إلى وجود صراع داخل أجنحة إخوان تونس، بين من يدفع إلى الهاوية بمواقف راديكالية لا تأخذ في الاعتبار حقيقة التحولات الإقليمية والمحلية وحتى الدولية، وبين من يدعو إلى التمسك بالممكن ضمن دور سياسي محدد يجب أن يعترف بالواقع.

فالنهضة الجماعة المنغلقة على ذاتها لا تزال غير قادرة على قيادة المجتمع بتصورها العقائدي الباحث عن منافذ للتمكين ضمن مشروع ما زال عاجزا عن إثبات قدرته على الحفاظ على سيادة الدولة التونسية بمعزل عن ارتباطاته الخارجية العابرة للوطن والوطنية.

9