من يدفع للزمار

الأربعاء 2017/07/12

من قرأ كتاب البريطانية فرانسيس ستونر سوندرز “من يدفع للزمّار؟” عن عالم المخابرات الأميركية أثناء الحرب الباردة، يعرف لعبة الإعلام في صناعة وتوجيه الرأي العام حسب الطلب، ويعرف أن ما تفعله بنا هذه الوسائل والوسائط، عمليّة محسوبة بدقة، تمهّد للحظة “تغييب” أو انقضاض حتما ستأتي يوما، ومتأخرا جدا ندرك كم نحن أغبياء، نستحق اللعنة قبل أن ندفع الثمن الأفدح.

وإذا كان هناك مثلٌ فرنسي يقول إن “الأغبياء هم وقود الثورات” إلا أننا وفي ظل منظومة الغباء تلك، نقع فريسة هذا الإعلام غربيا كان أو عربيا.. مستقلا أو حكوميا، الكل يلعب اللعبة الكبرى لغسل الأدمغة وتوجيهها لاستثمار “السائرين نياما”، وتمرير الأجندة مهما كانت ومهما يُقال عن الحيادية في العرض أو المضمون أو “الرأي والرأي الآخر”.. كلها عناوين برَّاقة لـ”أذرع” أخطبوطية جاهزة لتمرير أي سياسة، وأي هدف، وأي تدمير.

الإعلام الخاص، المرتبط قطعا بمصالح أصحابه وغالبيتهم رجال أعمال، يتخذونه أداة لزيادة الرصيد، ووسيلة للضغط على صاحب القرار لتمرير هذه المصالح، ولا مانع أن تكون برامجه أشبه بصحيفة فضائح صفراء، تتخذ من التشهير أداة ضغط لدرجة أن رجل الشارع العادي يطلق على مقدم برنامج شهير اسم “حريقة”.. ومع ذلك فإن الإعلام الحكومي في عالمنا العربي، حتى في زمن التحوّلات العميقة وإن كانت عشوائية، يتورّط في نفس اللعبة، وإن بشكل آخر لا يخلو من سماجة تصل حدَّ البلادة…

غالبية الإعلام الذي تحوّل 180 درجة في مصر مثلا، مع مبارك، ثم ضده مع الإخوان، ثم ضدهم، مع السيسي، ثم ينقلب عليه، وكذا الحال في غالبية بلداننا العربية، بات مجرد وسيلة للتسلية حتى مطلع الفجر، حكايات ومكالمات بالساعات الطويلة للمتاجرة بأي شيء، واختراع أي حدث، وفبركة أي قصة، وتمرير أي مهزلة ولو للسخرية من واقع لم نستطع تغييره، بمثل ما نجلدُ أنفسنا بماض لا نعرف متى ننساه!

مشكلتنا أننا لا نزال نعيش في الماضي السحيق.. نلبس نفس ثوبه النفيس، وذات عمامته الفكرية، ويحكمنا مَنْ في القبور بآرائهم وتفسيراتهم التي كانت مناسبة لعصرهم رغم الجدل حولها، وخطيئتنا أننا عاجزون عن تقديم تفسيراتنا نحن وتصوراتنا لأننا لا نعرف بعد كيف نقفز للأمام.. وبالتالي نكون أشبه بالقرود، كلما ارتفعت لأعلى الشجرة، كلما اتضحت عورتها.

ما نراه في مصر من دعوات بعضها إعلامي تتحسّر على أيام مبارك، ونظام مبارك، رغم أن الرجل بات في ذمة تاريخ ارتضى هو نفسه حكمه عليه، يدعو إلى لتأمل بهدوء، لنفهم ماذا فعلت آلة جهنم الدعائية والإعلامية بتحويل الرجل إلى شيطان، وجعلت مواطنين ساذجين للغاية يحسبون نصيبهم في ثروته التي قيل إنها هُرَّبت للخارج وقُدَّرت بـ70 مليار دولار؟ ولما تبين للجميع مدى الفبركة والأكاذيب، تحول كثيرون لممارسة “التيئيس” بالتزامن مع حالة فريدة من “الندب” والنواح واللطم.. وهو ما يذكرني بأمنية جدتي، يرحمها الله، التي كان أقصى حلمها أن يعود ثمن علبة الشاي إلى قرش مرَّة أخرى كما كان قبل حرب أكتوبر 1973!

ما أفزع منه، أن تستمر فضائياتنا ووسائل إعلامنا في جَرِّنا للوراء، لا تكشف مستقبلاً، ولا تناقش منجزا، ولا تزرع أملا، وكأنها لا ترى في مجتمعاتنا سوى مجرد “مسودّة” لوطن ما “نقرأه على الورق واعدا، ونعيشه في الواقع مُحبطا”، تضعنا دائما في ذات البوتقة القديمة، التي جعلتنا كمصريين ـ مثلاـ لا نزال نعيش على حضارة الـ7 آلاف سنة، نتفاخر بأن أجدادنا الفراعنة بنوا لنا الأهرامات كشاهد على حضارتهم، بينما كان إنجازنا الوحيد للأسف، أننا أنشأنا “شارع الهرم” بكل نواديه الليلية!

ما أخشاه، وأفزع منه أيضا، أن يستمر إعلامنا العربي في الدعوة إلى نفس “حفلة الزار” التي يتمايل فيها الجميع، يشطحون جماعيا لـ”طرد العفاريت” دون أن يحددوا بالضبط ما هي الأرواح الشريرة؟ وأين؟ وكيف سيطرت علينا طيلة هذه الحقبة المأساوية؟ وبأي طريقة؟ وكأن هذا هو المطلوب إثباته وتحقيقه.. والأخطر: تمويله!

من لا يصدق، عليه اللجوء لأقرب “زمّارة” إعلامية من تلك التي تنفث إرسالها بأي شي.. وعند أي أزمة، ولو بطريقة “الاتجاه المعاكس”.. وبلا حدود.

للأسف: ما أكثر الزمامير الآن.. وما أكثر الزمّارين.

ولتتأكدوا.. اقرأوا العنوان أعلاه، وتساءلوا: ليس عمّن يدفع فقط، ولكن عن مقابل الخراب أيضا!

أحسن الله عزاءكم!

كاتب وصحافي مصري

18