من يريد إسقاط حكم النهضة في تونس؟

كل من ينادي سواء من الرأي العام أو الأحزاب السياسية بتخليص تونس من حكم الإسلاميين لم يستطيعوا في المقابل استثمار ما يحصل من بوادر تشقق داخلي في بيت النهضة.
الاثنين 2020/06/15
رغبة شعبية غير مدعومة سياسيا

تونس –  تتواتر التحركات في تونس برلمانيا وشعبيا للمطالبة بإسقاط حركة النهضة، حيث خرجت الضغوط المسلطة على الحزب الإسلامي من قبة البرلمان بعدما عرضت مؤخرا لائحة للمطالبة بإقالة رئيس الحركة ورئيس البرلمان راشد الغنوشي، إلى الشارع عبر اعتصام “14 يونيو” الذي طالب بجمهورية ثالثة.

تختلف التقييمات والمواقف السياسية في تونس بشأن حراك 14 يونيو، الذي نظمه ائتلاف الجمهورية الثالثة، لكن حتى وإن كان التجمع الذي نظم بساحة باردو الأحد قبالة مقر مجلس النواب محتشما ولا يعكس شعبيا حجم الدعوات للانتفاضة ضد حكم النهضة، فإنه يوجد في المقابل إجماع على أن حركة النهضة دفعت إلى عسكرة المنطقة بحيث كان عدد الأمنيين أكثر من عدد المحتجين بعدما أغلقت جل الأنهج المؤدية إلى ساحة الاحتجاج.

السياسة القمعية نفسها انتهجتها حكومة إلياس الفخفاخ لإخماد احتجاجات اجتماعية ومطلبية في منطقة المكناسي التابعة لمحافظة سيدي بوزيد وسط غرب البلاد، وهي رسالة مخيفة تشير إلى أن حركة النهضة الممثلة بقوة في البرلمان وبصفتها لاعبا رئيسيا في الحكومة تريد أن تقول إن مصير أي تحرك احتجاجي ضدها سيواجه بالحديد والنار.

سياسيا، تحاول حركة النهضة توظيف حجج معتادة لردع الاحتجاج ضدها وستعيد استثمارها مع كل من يقف الآن على ربوة الصمت مستقبلا، كما تروج لخطاب يحصر المعركة في البلاد في مربع الخصومة مع عبير موسي رئيسة الحزب الدستوري الحرّ بوصفها سليلة النظام البائد وممثلة للثورة المضادة.

الغريب في مفارقات الأحزاب التونسية، أن جل مكونات الطيف السياسي بيمينها ويسارها تمني النفس سرا بسقوط النهضة، بمن في ذلك من يحكمون إلى جانبها الآن كحزب التيار الديمقراطي وحركة الشعب، لكن الحسابات السياسية تجعل معارضة النهضة صامتة، لكن كيف ستكون مواقف هذين الحزبين مستقبلا إن تمكن الحزب الإسلامي من توسيع الحزام السياسي للحكومة بإضافة حزب قلب تونس الذي يترأسه رجل الأعمال نبيل القروي، بالطبع ستتبدل المواقف وسيختفي شعار الشرعية حين يتعلق الأمر بمصالحها.

تكمن المعضلة الأساسية في تونس، ليس في عدم وجود من لا يدفع إلى إسقاط حكم النهضة، بل في حقيقة أن الأحزاب المعارضة لها ما زالت تعيش مرحلة مراهقة سياسية عنوانها “سأطيح وحدي بالنهضة” وهو أمر بات من قبيل المستحيل في ظل كل ما اكتسبته الحركة من قوة بعدما تغلغلت في كل أجهزة الدولة.

يشترك كل خصوم حركة النهضة فكريا وسياسيا في العديد من النقاط بفوارق طفيفة، فكل الأحزاب المدنية وحتى تلك المشاركة في حكومة الفخفاخ ترفض صراحة دفع رئيس البرلمان راشد الغنوشي إلى إدخال البلاد تحت عباءة المحور القطري التركي خاصة في ما يتعلق بالقضية الليبية.

كما يرفضون بإجماع محاولات أسلمة البلاد وبناء دكتاتورية إسلامية تعود بتونس خطوات كثيرة إلى الوراء.

يتمثل المشكل الحقيقي في كل هؤلاء الذين يتشاركون نفس المواقف الرافضة الآن لحكم النهضة كونهم لا يتقنون فن المعارضة مثلما تتقن النهضة فن المناورة، فجل الأحزاب تنادي بالقطع مع حكم النهضة دون صياغة أي مشروع وطني واضح يمكن أن يجر الناس وراءه للانتفاضة سلميا على تجربة حكم لم تنفع البلاد بل زادت في تأزيم وضعها الاقتصادي والاجتماعي.

تحركات تمني النفس بسقوط النهضة
من تحرّك 14 يونيو

لكل هذه العوامل، يقف الكثير من ساسة البلاد في وضع المتفرج الذي يجس نبض الشارع وكذلك مواقف اتحاد الشغل من سياسة حركة النهضة، كي ينقض على الحدث ويستحوذ عليه لنفسه لذلك يجد الحزب الإسلامي نفسه في موضع قوة على عكس خصومه رغم الرجة التي أحدثت له في البرلمان حين قضى الغنوشي ساعات طويلة لسماع انتقادات الكثير من النواب لسياسته ورفضهم لما يريد أن يسوقه بأنه الحاكم الفعلي في تونس.

هذا التمزّق الكبير في المواقف وعدم الثبات في العلاقة مع حركة النهضة، دعمته إطلالة مصطفى بن جعفر الرئيس السابق للمجلس التأسيسي بين 2011 و2013 وشريك النهضة في حكومات الترويكا بدعوته رئيس الجمهورية لتنظيم حوار وطني يجمع الفرقاء السياسيين، من أجل تحقيق “مصالحة وطنية حقيقية” وذلك على خلفية حالة من الاحتقان السياسي تشهدها البلاد، ما أدى إلى ارتفاع الأصوات المطالبة بحل البرلمان، وتشكيل حكومة تصريف أعمال.

تصنف خطوة بن جعفر في خانة التعامل بحذر مع كل المطالبات بإسقاط النهضة، لأن بن جعفر يدرك جيدا الآن أن مصير إلياس الفخفاخ وهو ابن حزب التكتل من أجل العمل والحريات الذي أسسه بن جعفر يبقى رهين رغبة حركة النهضة، لكن كيف سيكون الرئيس السابق للمجلس التأسيسي لو مضى الحزب الإسلامي في سحب البساط من الفخفاخ المحسوب سياسيا على الرئيس قيس سعيد.

سرعان ما علّق الأمين العام لحركة مشروع تونس محسن مرزوق على مبادرة بن جعفر بقوله في تدوينة نشرها على حسابه بفيسبوك “السيد مصطفى بن جعفر الفكرة التي اقترحناها وقام بإعادة اقتراحها طبعا دون الإشارة إلى أصحابها، هذا أصبح أمرا عاديا في تونس الاستيلاء على أفكار الآخرين عندما تكون دون أفكار بعد إفرغها من مضمونها”.

وأضاف مرزوق “منذ أسابيع، وعلى مختلف وسائل الإعلام المسموعة والمرئية دعونا إلى مؤتمر إنقاذ وطني يكون من بين أهدافه وضع خطة إنقاذ اقتصادي واجتماعي وتكليف حكومة كفاءات مستقلة لتنفيذه وحل مشكلة المحكمة الدستورية والنظر في التعديلات الدستورية ونظام انتخابي جديد ينقلنا إلى جمهورية ثالثة”.

هذا التنافر بين خصوم يجمعهم غرض القطع مع حكم النهضة، يأتي بشكل مخالف تماما لما حصل في اعتصام الرحيل عام 2013 مباشرة بعد اغتيال المعارضين السياسيين شكري بلعيد ومحمد البراهمي. في تلك الفترة كان التحرك مضبوطا بقوى مدنية وبمشروع كامل وواضح عنوانه “كفى حركة النهضة حكما”.

حراك شعبي كانت له بوصلة واضحة وعناوين متفق عليها بين القوى المدنية هز حكم النهضة آنذاك خاصة بعدما دخل الاتحاد العام التونسي للشغل ومنظمات وطنية أخرى على الخط ورعاية حوار وطني سحب الحكم من النهضة وأفضى إلى تشكيل حكومة تكنوقراط قادها عام 2014 رئيس الحكومة الأسبق مهدي جمعة.

وعلى عكس حركة النهضة التي ظلت دائما تتلقف عثرات خصومها، فإن كل من ينادي سواء من الرأي العام أو الأحزاب السياسية بتخليص تونس من حكم الإسلاميين لم يستطيعوا في المقابل استثمار ما يحصل من بوادر تشقق داخلي في بيت النهضة، الغاضبون من الغنوشي بدورهم داخل الحزب الإسلامي الذي وإن كانوا لا يمنون النفس بمغادرة الحكم، فإن جلهم يتوق في قرارة نفسه كبقية الأحزاب المدنية للتخلص من كابوس الغنوشي.

7