من يريد العرب رئيسا لفرنسا

يتجاوز الفرنسيون من أصول عربية ممن لهم حق التصويت في الانتخابات الرئاسية الفرنسية المليونين، منهم مليون جزائري، وهو رقم ليس بالقليل، ومن الممكن أن يلعب دورا مؤثرا في حسم نتيجة الانتخابات الرئاسية التي تأتي في سياق صعود موجة الشعبوية والأحزاب اليمينية المتشددة في أوروبا ما يجعل صوت الناخب الفرنسي العربي والمسلم حاسما أكثر من أيّ وقت مضى.
السبت 2017/03/11
صوت حاسم إذا أحسن استغلاله

باريس - لعب الناخبون الفرنسيون من أصول عربية، والجزائريين أساسا، دورا حاسما في هزيمة الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، في رئاسيات 2012، أمام الرئيس الحالي فرنسوا هولاند، مما جعل العديد من المرشحين الفرنسيين لرئاسيات 2017 يتساءلون عن حجم هذه الكتلة الانتخابية، وأيّ دور ستلعبه اليوم، في ظل صعود اليمين المتطرف المعادي للمهاجرين.

حسب الإحصائيات الرسمية، يتجاوز عدد سكان فرنسا 66 مليون نسمة، بينهم خمسة ملايين من أصول عربية ومسلمة، ونحو مليوني منهم مسجلون على اللوائح الانتخابية، وهذا ما يدفع بالمرشحين لكسب أصوات هؤلاء الناخبين لصالح برامجهم السياسية.

ومن بين المرشحين في السباق نحو الإليزيه، يبدو مرشح تيار الوسط، إيمانويل ماكرون، الشاب ذو التاسعة والثلاثين عاما، الأقرب لنيل أصوات الفرنسيين من أصول عربية ومسلمة، تصريحاته الأخيرة من الجزائر التي دان فيها الاستعمار الفرنسي للعرب، وتأكيده ضرورة عدم ربط الإرهاب بالإسلام؛ وينافسه على هذه الأصوات فرنسوا فيون، رئيس الحكومة الأسبق، ومرشح حزب الجمهوريين اليميني الفرنسي، وجون لوك ميلونشون مرشح اليسار.

ورغم أن مرشحة الجبهة الوطنية الفرنسية، المحسوبة على اليمين المتطرف، مارين لوبان، تبدو أبعد المرشحين بالنسبة إلى الفرنسيين العرب والمسلمين، وعموم الفرنسيين من أبناء المهاجرين، إلا أن بعض المتابعين لا يستغربون أن تحظى بنسبة تأييد لا بأس بها من الجيل الثاني من أبناء المهاجرين، الذي يعتبر نفسه فرنسيّا، على غرار ما حدث مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي صوّتت له مجموعة من المسلمين الأميركيين رغم مواقفه.

الناخبون الجزائريون

إلى جانب الفرنسيين من أصل عربي المقيمين داخل فرنسا، هناك قاعدة انتخابية أخرى لا تقل أهمية وتأثيرا، وهي تمثل الناخبين الجزائريين الذين يحملون الجنسية الفرنسية، وهم أساسا الذين توجه إليهم المرشح ماكرون بتصريحاته عن الاحتلال الفرنسي للجزائر، خلال زيارته مؤخرا لهذا البلد المغاربي.

في رئاسيات 2012، لم يخسر ساركوزي، إلا بفارق ضئيل أمام منافسه هولاند، بنسبة لم تتجاوز حينها 3.28 نقطة مئوية، أو ما يعادل أقل من مليون و140 ألف صوت، مما جعل الأنظار تتجه إلى الناخبين من أصول جزائرية، والذين يتراوح عددهم ما بين مليون إلى مليوني ناخب، حسب أرقام غير رسمية.

معظم المنحدرين من أصول جزائرية كانوا يصوّتون لصالح اليسار الفرنسي لكنهم اليوم تحولوا نحو اليمين

وكشف الفرنسي من أصل جزائري عبد الله زكري، رئيس المرصد الفرنسي لمكافحة الإسلاموفوبيا، أن الرئيس الفرنسي السابق ساركوزي (2007-2012)، خلال حملته التمهيدية للترشح للانتخابات الرئاسية 2017 عن حزب الجمهوريين اليميني، زار مسجد باريس الكبير (أكبر مؤسسة دينية فرنسية تابعة للنفوذ الجزائري) بدعوى من عميد المسجد دليل أبو بكر (من أصول جزائرية)، وعاتب الجزائريين لوقوفهم ضده في رئاسيات 2012، وقال لهم “كلكم انتخبتم هولاند، ولم تصوّتوا لي”. ورد عليه الحاضرون، حسب زكري، الذي حضر مأدبة الغداء، بأن خطابه المعادي للمسلمين في فرنسا، كان السبب الرئيسي وراء تصويتهم ضده.

وأضاف زكري أن ساركوزي، اتهم الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة، بتوجيه مليون و200 ألف ناخب فرنسي من أصل جزائري ومقيمين في الجزائر، للتصويت ضده في مكاتب الاقتراع بالقنصليات الفرنسية في الجزائر. وأوضح أن “فئة من الجزائريين المستقرين في بلادهم، بقيت محتفظة بالجنسية الفرنسية حتى بعد استقلال الجزائر في 1962، بالإضافة إلى الجنسية الجزائرية”.

وكانت فرنسا خلال الفترة الاستعمارية (1830-1962) تعتبر الجزائر “جزءا لا يتجزأ من ترابها ما وراء البحار”، وسكانها مواطنون فرنسيون من الدرجة الثانية (يحملون الجنسية الفرنسية)، ويلقبون بـ”الأهالي” أو”المسلمين”، لتمييزهم عن الفرنسيين المسيحيين.

أشار زكري، العضو السابق في مجلس الديانة الإسلامية بفرنسا (منتخب) إلى أن الجزائريين المقيمين في فرنسا يقدّر عددهم بنحو مليوني شخص، منهم مليون ونصف يحملون الجنسية الفرنسية، بينهم أكثر من مليون لديهم حق التصويت.

وقال رئيس المرصد الفرنسي لمكافحة الإسلاموفوبيا، “تكلمنا مع جزائريين (حاملين للجنسية الفرنسية)، وأكدنا على ضرورة الانتخاب المفيد، من خلال توحيد أصواتنا للوقوف ضد اليمين المتطرف (الجبهة الوطنية بقيادة مارين لوبان المعادية للمهاجرين).

وبالنسبة إلى المرشحين الأوفر حظا للفوز بأصوات “الفرانكو-جزائريين والجاليات العربية عموما، أوضح زكري، أن مرشح الحزب الاشتراكي (يسار) بنوا آمون، ومرشح حركة “إلى الأمام” إيمانويل ماكرون، وبدرجة أقل مرشح الحزب الشيوعي جون لوك ميلونشون، هم الأقرب للفوز بأكبر حصة من أصواتهم.

وتابع أن الجالية المسلمة تنتظر اتضاح الصورة أكثر لتقرر من ستدعم في الانتخابات الفرنسية حتى لا تراهن على مرشح خاسر، خاصة أن المرشح آمون يواجه مشاكل مع رئيس الوزراء السابق مانويل فالس (في الحزب الاشتراكي)، أما مرشح حزب الجمهوريين (اليميني) فرنسوا فيون، فخطابه ضد المسلمين، كما أن لديه مشاكل مع العدالة.

ويشاطره في الرأي عبدالقادر حدوش، الرئيس السابق لاتحاد الجامعيين الجزائريين والفرانكو-جزائريين، في مدينة مارسيليا الفرنسية (جنوب)، الذي يرى أن وعاء الناخبين الجزائريين في فرنسا غير متجانس، وسينقسم على عدة مرشحين من بينهم بنوا أمون، وإيمانويل ماكرون، فرانسوا فيون وجون لوك ميلونشون، وبدرجة أقل مارين لوبان. واعتبر حدوش، بصفته ملاحظا للانتخابات الفرنسية، أن خطاب مرشح اليمين فرانسوا فيون، يتسم بنوع من الراديكالية تجاه المسلمين، في حين أن مرشح اليسار بنوا آمون، لديه خطاب إيجابي تجاه الإسلام والمسلمين.

ويرى أن الأعراق الأخرى، ومن بينها المسلمون، ليست عبئا على فرنسا وإنما إضافة يمكن المراهنة عليها في تحقيق إقلاع اقتصادي، بل أنه قال كلمة لفتت إعجاب الجزائريين ومسلمي فرنسا “لا يقلقني عندما يناديني أحدهم بلال”. ونوّه حدوش، بالمرشح الشاب ماكرون، الذي قد يستقطب حسب رأيه ناخبين من اليمين واليسار على حد سواء. أما مرشح أقصى اليسار ميلونشون، فيرى حدوش، أن لديه خطاب معتدل جدا تجاه الإسلام والمسلمين.

الجالية المسلمة تنتظر اتضاح الصورة أكثر لتقرر من ستدعم في الانتخابات الفرنسية حتى لا تراهن على مرشح خاسر

وقال حدوش لن يأخذ مرشح واحد أصوات الناخبين من أصول جزائرية، بل ستتقسم على المرشحين الثلاثة، وبدرجة أقل على مرشحي اليمين واليمين المتطرف. وأشار إلى أن معظم المنحدرين من أصول جزائرية كانوا يصوّتون لصالح اليسار الفرنسي لكنهم اليوم تحوّلوا نحو اليمين.

الجزائريون جالية كبيرة لا تنتخب

ويؤكد كمال صنهاجي، الجزائري الحامل للجنسية الفرنسية، أن غالبية الشباب الفرنسي من أبناء المهاجرين، الجزائري، لا يدلون بأصواتهم في الانتخابات، لأنهم لا يشعرون بالمواطنة تجاه فرنسا ولا يعتبرون أنفسهم ينتمون إليها، وبالنسبة إليهم الجنسية الفرنسية ليست سوى وثائق إقامة وسفر. وأضاف أنّ عزوف الشباب عن التصويت في الانتخابات أصبح سلوكا عاما، نظرا لإحساسهم بأنهم مهمشون في فرنسا ومرفوضون من مجتمعها.

واعتبر صنهاجي، الذي منحه الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك في 2006، “وسام فارس”، نظرا لبحوثه المتقدمة في علاج مرض السيدا، أنه “من الخطأ العزوف عن التصويت في الانتخابات الفرنسية خاصة وأن هؤلاء الشباب يقولون إنهم مظلومون من طرف اليمين المتطرف”.

وتشهد فرنسا تحوّلا بالنسبة إلى اتجاه هؤلاء الناخبين الذين اعتادوا على التصويت لصالح اليسار الفرنسي لأنهم أكثر تعاطفا مع قضايا العرب والمسلمين، لكنهم بدؤوا يتوجهون نحو اليمين، نظرا لأن الأخير أكثر محافظة بالنسبة غلى القضايا المتعلقة بالأسرة من اليسار.

ولفت صنهاجي إلى أن مرشح الحزب الاشتراكي بنوا آمون، عاد إلى سياسات الحزب في زمن السبعينات والثمانينات عندما كان أكثر تعاطفا مع قضايا العرب والمسلمين، حيث أعرب آمون، عن احترامه لحرية ارتداء المسلمات للحجاب، لذلك يحظى بدعم فئة هامة من الناخبين المسملين لكنها أقل من النصف، أما النصف الآخر فيميل إلى دعم المرشح ماكرون، الذي زار الجزائر مؤخرا، ووصف الاستعمار الفرنسي لها (1830-1962) بأنه “جريمة ضد الإنسانية”.

ووجد نسبة أقل ستصوت لمرشح اليمين فيون، ومرشح أقصى اليسار ميلونشون، وهذا الأخير يرى صنهاجي، أن فئة ضئيلة جدا من الجزائريين ستصوّت لصالحه، لأن الحزب الشيوعي الفرنسي ابتعد عنه الناخب الفرنسي منذ سنوات، بالإضافة إلى أن فئة قليلة جدا ستنتخب مارين لوبان، اليمينية المتطرفة، مشيرا إلى أنه “قبل 20 سنة لم يكن هناك جزائري واحد يمنح صوته للجبهة الوطنية، لكنه هذه العقدة بدأت تنزع شيئا فشيئا”.

وتظهر استطلاعات الرأي حتى الآن تقدّما واضحا لمرشحة اليمني المتطرف مارين لوبان، في الجولة الأولى من الانتخابات المقررة في 23 أبريل المقبل، لكنها تشير إلى خسارتها الجولة الثانية الحاسمة في 7 مايو القادم، إما أمام ماكرون أو فيون.

يمنع القانون الانتخابي الفرنسي إجراء استطلاعات الرأي المرتكزة على العرق والإثنية واللون، لذلك لا يمكن تقدير النوايا التصويتية للعرب والمسلمين في انتخابات 2017، لكن المؤكد أن ما حصل في الولايات المتحدة الأميركية بعد فوز ترامب، وما يهدّد به الشعبيون في هولندا وألمانيا وتطورات الوضع في عموم أوروبا بعد خروج بريطانيا، سيشكل حافزا مهما للناخبين الفرنسيين من أصول عربية ومسلمة للعب دور مؤثر في حسم ساكن الاليزيه القادم، خاصة وأن مهمته لا تقتصر فقط على ما يعنيهم داخل فرنسا فقط بل أيضا ما يجري في منطقتهم الأم.

6