من يريد تشخيص الأيديولوجيا عليه أن يشاهد أفلام هوليوود

الجمعة 2014/02/28
بين جاك وروز كارثة حتمية أملتها التفرقة الطبقية

قد يحدث أن يغالي بعضهم في التوسل بالتأويلية، إما رغبة في الإثارة، وإما سعيا للظهور بمظهر من يدرك ما لا يدركه الآخرون، وإما عن قناعة صادقة بأن وراء كل ما يحدث في هذا الكون أشياء باطنة وقوى خفية، كحال من يشمّ رائحة المؤامرة حتى في عطور “شانيل”.

هناك من يحسب شيفرة دا فينتشي حقيقة لا جدال فيها، أو من يزعم أن سكان الكواكب الأخرى يسيّرون العالم متنكرين في هيئة آدميين يترأسون الدول العظمى، ويتزعمون المؤسسات الكبرى، ويتحكمون ليس في اقتصاد السوق وحده بل في مصير البشرية كافّة، كما هو شائع في روايات الخيال العلمي.. انطلاقا من تأويل خاطئ للحوادث والظواهر، أو مغالاة في استعماله.


حكاية تيتانيك


يحدث هذا ليس في بلداننا وحدها، بل حتى في البلدان المتقدمة. وهذه ثلاثة أمثلة وقعنا عليها صدفة في الصحف والمجلات الصادرة هذه الأيام نسوقها للذكر لا للحصر، كنموذج لتهافت المؤوّلين.

من شطحات الفيلسوف وعالم التحليل النفسي السلوفيني سلافويزيزيك، الذي يلقب بـ”أخطر فيلسوف في الغرب”، أنه زعم أن فيلم “تيتانيك” لجيمس كاميرون ليس حكاية اصطدام باخرة بجبل جليد، بقدر ما هو تعبير عن عقاب أنزله القدر بركابها نتيجة انتهاك مزدوج: العلاقة الجنسية غير الشرعية بين بطل الفيلم جاك (ليوناردو دي كابريو) وبطلته روز (كيت ونسليت) وعدم احترام الفوارق الطبقية بينهما.

فالكارثة في نظره حصلت حينما وعدت الفتاة عشيقها بالفرار معه حال رسوّ الباخرة بميناء نيويورك. أي أنها آثرت حياة الفقر مع حبيبها على حياة ممجوجة زائفة وسط الأغنياء.

وفي رأيه أن في اصطدام الباخرة إنذارا بالكارثة الحقيقية، التي كانت ستحل بالشابين لو تزوجا وجابهتهما ظروف الحياة القاسية، مما سيؤدّي حتما إلى انطفاء شعلة الحب بينهما وانفراط عقديهما.


إشهار سياسي


والثاني جاءنا من السويد، حيث قامت الدنيا ولم تقعد عقب لقطة إشهارية تظهر زلاطان إبراهيموفيتش، لاعب باريس سان جرمان لكرة القدم، في هيئة صياد يمتشق بندقية ويجوب الغاب لصيد الأيل، ويغوص في البحيرات المتجمدة، ثم يعود في آخر النهار إلى بيته ليقبّل أفراد أسرته ويستريح استراحة الراضي عن عمل متقَن.

كل ذلك لامتداح قوة سيارة “فولفو”، التي يتخلل حضورها المشاهد، وقدرتها على تجاوز الصعاب حيثما وجدت. هذه اللقطة التي لا تتعدّى الدقيقتين صارت موضع جدل لا ينتهي حول الهوية الوطنية. ذلك أن زلاطان أدّى خلالها النشيد الوطني لأول مرة، ولو ببعض التحوير، حيث أنشد: “أجل، أريد أن أعيش، أريد أن أموت في السويد”، بدل “أريد أن أعيش، أريد أن أموت في الشَّمال”.

فالمحللون على اختلاف مشاربهم ذهبوا في تأويل تلك اللقطة مذاهب شتى. منهم من تساءل عن طبيعة الرسالة التي تخفيها في هذا العام الذي ستشهد السويد خلاله انتخابات برلمانية، وحقيقة الموقف، مواليا كان أو مناهضا، من حزب يميني متطرف يعادي الهجرة والمهاجرين، رغم أن زلاطان من أب بوسني وأم كرواتية. ومنهم من يذكّر بأن للسويد ثلاثة “ماركات” عالمية هي فولف وإيكيا وزلاطان.

فلماذا إذن اقتصرت اللقطة على علمين اثنين فقط وأهملت الثالثة؟ ومن نافلة القول إن في بعض الأسئلة جوابها، وهي هنا توحي بأن وراء الأكمة ما وراءها، ولو أقسم زلاطان ببعض الكلمات التي حذقها من السويدية بأن الأمر مجرّد إعلان إشهاري.


تقعر التأويل


أما المثال الثالث، فهو من أغرب ما توصل إليه الخيال البشري، وبطله مفوّض المعرض العالمي للفن المعاصر في دورته الأخيرة التي أقيمت بباريس، فقد نهض لتأويل “عمل فني” بكلام أقرب إلى الهذيان. اللوحة، إن جاز أن نسميها كذلك، عنوانها “جولييتا” وهي عبارة عن حطام سيارة من نوع “فيراري دينو 308″ حمراء اللون، معروضة على قاعدة بيضاء تربو عن الأرض مقدار ذراع.

فيلم"تيتانيك" ليس حكاية اصطدام باخرة بجبل جليد، وإنما هو تعبير عن عقاب أنزله القدر بركابها

سيارة توحي بأنها انتُشلت من حادث مرور فظيع. الزجاج مهشم، والعجلات مبعوجة، والسقف مكسّر، والأجنحة محطمة، وواقي المحرّك مخلوع، والطلاء محزّز. وتقدّم على أنها من إبداع فنان فرنسي يدعى برتران لافييه حاز شهرته بأعمال مماثلة كـ”برانت-هافنر” (ثلاجة برانت موضوعة على خزنة هافنر).

تساءل مراسل إحدى المجلات المتخصصة في السيارات العتيقة والرياضية: “السيارة، في وضعها ذاك، بيعت بمئتين وخمسين ألف دولار، والحال أن ثمنها في السوق لا يتعدّى خمسين ألفا. أي أن شاريها كان يمكن أن يقتني بالثمن نفسه خمس سيارات، فيهشّم منها واحدة ويستغل البقية لشؤونه الخاصة.

ولكن المفوض اعترض على هذا الفهم القاصر، مبيّنا أن من عبقرية الفن تحويل المعدن المصمت، الذي لا يرى فيه الإنسان العادي غير مادة جامدة، إلى عمل فني خالص، ينضح بالجمال ويطفح بالمعاني السامية. عاد المراسل يسأله بغباء مصطنع ما إذا كان بإمكانه هو أيضا، إن قدّر لسيارته أن تنقلب به ويتردّى حالها إلى حال تلك الفيراري، أن يجعل منها عملا فنيا.

فإذا بالمفوّض يشرح له بجدّ ما فوقه جدّ أن الفن موهبة، وحرفية، ورؤية فلسفية للإنسان والكون، وأن العمل الفني قد يبدو لغير العارف بسيطا، ولكنه في الواقع عميق الطرح غزير المعاني (وهذا في المطلق لا جدال فيه). وراح يضرب له مثلا بأثر فناننا “الملهَم” لافييه هذا.

هذه الحالات الثلاث، مصداق لما يصف به الفرنسيون مثقفيهم بكونهم “يقسمون الشعرة على أربعة” كدلالة على تقعّرهم في تأويل ما لا يحتاج إلى تأويل، حتى ما كان منه واضحا وضوح الشمس في رابعة النهار.

16