من يريد دسترة النوايا وتقنينها بالمغرب

الثلاثاء 2017/02/07

ليست صعبة قراءة خارطة البرلمان المغربي بعد انتخابات السابع من أكتوبر الماضي. كما ليس مستحيلا التعرف على التحالفات الممكنة المترتبة داخل المؤسسة التشريعية، في أفق تشكيل حكومة على ضوئها.

غير أن الواقع قد بين أن عدم صعوبة تلك القراءة، ونفي الاستحالة عن ذلك التعرف، لم يسهلا عملية تشكيل الحكومة من قبل رئيس الوزراء المكلف عبدالإله بن كيران، وإنما كشف، على العكس من ذلك، عما أصبح يسمى في لغة بعض السياسيين المغاربة “البلوكاج” المانع لتشكيلها إلى حد الآن.

وهو واقع تم التركيز عليه لشيطنة الخصوم وتحميلهم المسؤولية الحصرية عنه، بدل التفكير الجدي في تجاوزه وتسهيل عملية تشكيل الحكومة التي ينتظرها المغاربة منذ أربعة أشهر تقريبا.

بل إن المنحى الذي اتخذه السجال بين بعض الفاعلين السياسيين قد انزلق نحو مستويات هي دون السجال السياسي الحقيقي، ليغرق في نوع من الجدل العقيم قد يتوسل شكلا بعض معطيات الواقع، ليحكم فعلا النوايا في مسألة تشكيل الحكومة وتحويلها إلى ما يشبه المعضلة في الحياة السياسية المغربية.

التأمل في عناصر هذه المعضلة والجدل الذي أثارته بين قوى المشهد السياسي المغربي قد يفيد في فك طلاسمها التي تحيل إلى ما يتجاوز خارطة البرلمان، ومتطلبات تشكيل أغلبية برلمانية تدعم الحكومة المقبلة كما توحي بذلك عناوين السجال الحالي.

كشفت الشهور السابقة أن حضور نظرية المؤامرة كان قويا في خطاب وسلوك عدد من الأحزاب. وهو حضور غلب لديها ردود فعل غير قابلة للحوار كما تجلى ذلك برفع الفيتو أمام رغبة بعض الأحزاب الممثلة في البرلمان في المشاركة في حكومة يبحث لها بن كيران عن أغلبية تدعمها بدعوى أن تلك الأحزاب قد ارتكبت خطيئة التنسيق مع أحزاب أخرى لبلورة موقف موحد من استحقاقي تشكيل الحكومة وهيكلة البرلمان.

صحيح أن وجه الاعتراض المعلن الذي تم نعته بالمؤامرة، هو كون أحزاب التجمع والاتحاد الاشتراكي والحركة الشعبية والاتحاد الدستوري قد حاولت تكوين تصور لتشكيل الحكومة برئاسة بن كيران في وقت كان فيه هذا الأخير يسعى إلى بلورة تصور آخر لتشكيل الحكومة، الأمر الذي يعني أن الأحزاب الأربعة قد حاولت قطع الطريق أمامه في مسعاه.

غير أن هذه الأطروحة لا تستند إلى أي سند سياسي أو دستوري لأن التنسيق بين تلك الأحزاب هو في الواقع جواب على مسعى أريد به نوع من المنع التعسفي لأي تنسيق بين الأحزاب والتصرف كما لو أنه مشروط بانتهاء بن كيران من إنجاز مهمته في تشكيل الحكومة؛ وهو ما ليس بالإمكان الدفاع عنه بالمنطق السياسي.

وصحيح أيضا أن حزب العدالة والتنمية يرى أن من وراء هذا التنسيق هو حزب الأصالة والمعاصرة الذي يعتبره خارج دائرة أي تعاون معه في تشكيل الحكومة، أو تشكيل أغلبية مساندة لها، غير أن هذا الموقف غير منطقي هو كذلك انطلاقا من عدة اعتبارات سياسية وديمقراطية تهم الشأن الحزبي والبرلماني أهمها:

أولا، الحق الذي لحزب العدالة والتنمية في إخراج الأصالة والمعاصرة من دائرة اهتماماته في تشكيل الحكومة وبحث إمكانية التعاون داخل مؤسسة البرلمان هو حق حصري، ولا يسري على غيره من الأحزاب، اللهم من اختار الانحياز لوجهة نظر حزب رئيس الحكومة المعين لأسباب ما يعتبر الدخول في مناقشتها نوعا من هدر الجهد.

ثانيا، الأحزاب متساوية الحقوق والواجبات اعتمادا على نص الدستور ووفقا للقوانين الجاري بها العمل، وبالتالي، فإن أي تمييز بينها، على هذا المستوى، مخالف للدستور والقانون.

وليس ليغير من هذه الحقيقة تباين المواقف السياسية بين الأحزاب الذي قد يصل التمييز بينها على قاعدة عبارات على شاكلة “الأحزاب الإدارية” أو “اليمينية” أو “الوطنية” أو “الظلامية” أو “اليسارية”، لأن هذه العبارات ذات شحنة سياسية تعكس تصورات الأحزاب بعضها تجاه البعض، ولا تترتب عليها أي آثار دستورية أو قانونية تقوم على منع إقامة علاقات بينها أو جوازها لعدم دخول الأمر ضمن اهتمامات المشرع.

ثالثا، يسري هذا الموقف وبشكل أكثر قوة على نواب الأمة في البرلمان حيث الأعضاء متساوون في هذه الصفة قانونيا ودستوريا والتي عززها انتخابهم أعضاء كاملي العضوية في البرلمان. ولا يغير من هذه الحقيقة كون نواب منخرطين ضمن فريق برلماني كما يسمح بذلك القانون الداخلي للمؤسسة التشريعية، أو لم يكونوا، إذ ليس هناك ما يمنع، دستوريا أو قانونيا، أي نائب أو الحزب الذي يمثله من المشاركة في الحكومة أو مساندتها، أو اختيار المعارضة.

انطلاقا من هذا يمكن التساؤل حول مكامن المؤامرة في ممارسة الأحزاب السياسية المتساوية دستوريا وقانونيا أو في ممارسة النواب المتساوين دستوريا وقانونيا والمعززين بسند انتخابي صريح وواضح؟

ليس ممكنا البرهنة على مزاعم من هذا النوع اعتمادا على الدستور والقانون والعملية الانتخابية. غير أن هذا لم يمنع من إطلاق الاتهامات يميناً ويسارا خارج الدستور والقانون والاستحقاق الانتخابي كما عاشه المغرب في أكتوبر الماضي.

فهل يمكن البحث عن المؤامرة في النوايا؟ وبأي منهجية؟ وعلى أي قواعد؟ ما جدوى الدستور والقانون إذا لم يضعا حدا لمحاكمة النوايا في القضايا التي حددا لها مقتضيات وقواعد ينبغي احترامها خاصة عند الاختلاف في المواقف والآراء؟ وهل هناك من باستطاعته دسترة النوايا وتنظيم استحقاقات انتخابية لتكريس بعضها وتجريم البعض الآخر؟

كاتب مغربي

9