من يسأل أولا

الصديق الحقيقي ليس بحاجة إلى أن يكون بالقرب منا، وقيمته لا يمكن أن تنقص بداخلنا سواء في حضوره أو في غيابه.
الجمعة 2018/09/07
الصداقة قيمة سامية

ماذا يحدث لأصدقائنا بعد الزواج؟ على الأرجح معظم من يتزوجون يكرسون جهودهم وأوقاتهم لشركاء حياتهم وأطفالهم وأعمالهم، وفي خضم انشغالاتهم اليومية الكثيرة، قد يسقطون أصدقاءهم من حساباتهم سهوا ويتناسون تدريجيا الاتصال بهم، ويمكن أن تنحسر بعض الصداقات إلى أن تختفي تماما.

الحقيقة المؤكدة هنا أن نسيان أمر الأصدقاء سهل جدا بعد الزواج، خاصة في ظل هيمنة الشريك والأبناء على كل تفاصيل الحياة، وحالة الإشباع العاطفي والراحة النفسية التي يشعر بها الكثيرون ضمن الحياة الأسرية. لكن المشكلة لا تكمن فقط في انشغال المتزوجين بأمور حياتهم الشخصية، بل وأيضا في انسحاب الأصدقاء من تلقاء أنفسهم نتيجة إحساسهم بأن أصدقاءهم قد أصبحوا مختلفين عنهم وما عادوا يتقاسمون معهم الكثير من الأشياء كما في الماضي.

ربما يكون الزواج عاملا مؤديا إلى فتور علاقات الصداقة بسبب عدم استطاعة طرف ما مجاراة نسق حياة الآخر، ولكنه ليس العامل الوحيد، بل أكثر ما يهدم الصداقات هو انتظار المرء أن يبادر صديقه بالسؤال عنه وعن أحواله.

وتكمن المشكلة الحقيقية في عدم شعور البعض بوجود دوافع قوية لتحييد الضغوط العائلية ومسؤوليات العمل من أجل فسح المجال لصداقاتهم لأن تظل قائمة.

التغيير بعد الزواج سمة الحياة، والصديق الذي يؤسس عائلة يصبح في الغالب من الصعب على أصدقائه الالتقاء به أو التحدث إليه إلا بعد مرور فترات طويلة، ويجب ألا ننسى انزعاج النساء من فكرة أصدقاء الزوج والشعور بالغيرة من تفضيل الأصدقاء على جلسات المنزل، ومن الطبيعي أيضا أن تتغير شخصية الزوج ونظرته للحياة، وقد تصبح لديه آراء ووجهات نظر مختلفة، ولكن ليس كل ذلك دليلا على أنه قد استغنى عن أصدقائه.

أثناء حياتي الزوجية تعلمت كيف أقتطع مساحةً من وقتي لدفع صداقاتي إلى الأمام، فالتواصل مع الأصدقاء يساعدنا على التعامل مع منعطفات الحياة السلبية والإيجابية بشكل أفضل، وخاصة عندما نرتبط بأصدقاء مخلصين وودودين، لكن وتيرة الحياة السريعة جدا تجعلنا في بعض الأحيان لا نلتقيهم أو نتصل بهم بشكل دوري، ومثل هذا الأمر قد لا يستوعبه الكثيرون أو لا يتفهمونه، بل قد يفسرونه على أنه نوع من عدم المبالاة أو الإهمال، ما قد يكلفنا أحيانا خسارة صداقات ثمينة.

ومؤخرا عاتبتني صديقة لي عن عدم سؤالي عنها، فتعجبت من ردة فعلها التي لم تخطر لي على بال، فلطالما كنت المبادرة بالتحدث إليها والسؤال عن أخبارها رغم بعد المسافات بيننا وكثرة مشاغلي، إلا أن سفري المفاجئ في إجازة جعلني لا أتصل بها، ولكنها أيضا لم تكلف نفسها عناء السؤال عني، تخاصمنا وقطعنا الحديث، لكننا عدنا من جديد، ولكنها بقيت على حالها لا تكلمني إلا إذا بادرت بالاتصال بها، ولا أعرف لماذا؟

أدرك تماما أن الصديق الحقيقي ليس بحاجة إلى أن يكون بالقرب منا، وقيمته لا يمكن أن تنقص بداخلنا سواء في حضوره أو في غيابه، لكن التوقعات المثالية من الصداقات توضع أحيانا تحت ضغوط واقع الحياة، ما يدفع أصدقاءنا إلى الشعور بأنهم لا يحصلون من الصداقة على ما يساوي ما يعطونه لها من اهتمام ووقت.

لكنني كنت وما زلت أعتقد أن الصداقة قيمة سامية ومن المفروض ألا تخضع لقاعدة المعاملة بالمثل، ففي حال تأخر أصدقاؤنا في السؤال عنا، علينا أخذ زمام المبادرة والسؤال عنهم، ولا نسيء الظن بهم حتى وإن تأخروا في الردّ على مكالمتنا الهاتفية أو رسالتنا الإلكترونية.

ومن أجل أن تبقى هذه المؤسسة الاختيارية قائمة عبر الزمن تتطلب من الطرفين مراعاة حقوقها وواجباتها، وبذل جهد كاف للمحافظة عليها.

21