من يسكن هذا البيت بعدي

الثلاثاء 2013/12/17

قريبا أغادر البيت الذي عشت فيه سنوات طويلة وأنا بالكاد أفهم الفرق بين بيت نسكنه وبيت يسكننا.. بين بيت نحمله وبيت يحملنا.. بين بيت نستودعه أسرارنا وخصوصياتنا وبيت يستودعنا همومه وآلامه. أستغرب أحيانا كيف طاوعتني نفسي كشف أسرار البيت التي ائتمنني عليها كل هذا الزمن؟ كيف عرّيته بهذه السهولة ومن دون رحمة؟ هل كنت أعري نفسي؟ ولكن ما ذنب هذا الشيخ الهرم المتآكل لأفعل به ما فعلت في آخر سنيّ عمره؟ يخيل لي أحيانا انه مستاء ويشيح بوجهه عني إلى الجهة الأخرى. أريد أن أشرح له أن ما فعلته كان لصالحنا نحن الاثنين، كان لا بد أن نتعرّى، كلانا، أمام أنفسنا. علاقتنا ببعضنا لم تكن سوية. لم تكن علاقة ساكن ومسكون فحسب.

لا أستطيع أن أستوعب مثلا لماذا تركته يخرّ بالماء فوق رأسي وأنا أستمتع بالبلل يجري تحت وسادتي. ليال كثيرة كان الماء يتسرب من السقف إلى الغرف والجدران. لم يكن ذلك يخيفني أو يزعجني. في أكثر الحالات كنت أضع تحت الماء المنهار من السقف آنية صغيرة أفرغها كلما امتلأت. أفعل ذلك بصبر وتكرار كما لو أنه جزء من مشاغلي اليومية. أنظر إلى قطرات الماء المتساقطة في الآنية وهي تحدث فقاعات برؤوس مذببة وفجوات تشبه العيون الصغيرة، أستمع بتركيز إلى صوت ارتطامها بسطح الماء المتجمع. جزء منها يتناثر خارج الآنية ويشكل بركة صغيرة. يتجمع، ثم فجأة يجري في تدفق وعجلة في أحد الاتجاهات. أراقبه وهو يتحول إلى نهر صغير سلس. لم تكن علاقتي بالبيت سوية، إنها شهوتي الغريبة لكل ضعيف منهار. لكل من يحتاجني. انجذابي الدائم للحافات، للأشياء التي تسقط أو تكاد. عندما أصادفها يهتز شيء داخلي، تلتمع عيناي ويشتد لهاثي. أسرع نحوها وأنا ألعب دور المنقذ والشخص الوحيد القادر على انتشالها من السقوط. إنه امتلائي الذي أحققه فقط بالعبور على من هم أضعف وأهش. هل كان اهتمامي بالبيت وتحملي له كل هذه الأعوام لأجله أم لأجلي؟

الرغبة في خلق أشياء من صنعي وحدي لاستعبادها في وقت لاحق، أو نوع من الألوهية الصغيرة هي ما جعلتني أبقى في هذا البيت. تحدّ وعناد من نوع ما. حالة مرضية ربما. كرهي المقيت لكل ما هو مكتمل متوازن، الجسور الحقيقية أمدها فقط مع الناقص الهش، القابل للانهيار والصعود، المتأرجح بين طرفي نقيض…

داويت جروح البيت بيدي ولم أستعن بأحد إلا في حالات نادرة. عندما تنكسر حنفية أصلحها بنفسي. قد لا أنجح تماما، فيظل الماء يتدفق على الجانبين. لم يكن ذلك يزعجني ما دمت أحصل في النهاية على غرضي من الماء. وعندما تحدث فجوة بين دفتي النافذة لانها لم تعد تقفل بإحكام أدس بينها بعض المواد العازلة. أحيانا ورق السولوفون أو الأليمينيوم أو قطعة ملابس قديمة. الأشياء التي لا أقدر على إصلاحها أتركها معطبة. من ذلك أننا بقينا مرة سنتين كاملتين بلا لمبة في غرفة الحمام لأنني لم أتمكن من بلوغ السقف العالي لتركيب لمبة جديدة. عندما اشتريت سلما للغرضا وأردت تغيير اللمبة انهار التجهيز بأكمله في يدي. من يومها ونحن نستحم على ضوء الشموع…

لو نفخت في البيت لتكلم. هذا البيت الذي رممته بصبري ومعاناتي وقدرتي على التحمل. إنه من خلقي، كيف أتركه؟ وكيف بعد أيام أمر من أمامه فلا أستطيع أن أدخله أو يدخلني. أي جدار وأي باب سيمنعنا نحن الاثنين من ذلك؟ من سيسكنه بعدي؟ إنه لن يقدر على احتمال روح أخرى داخله غير روحي التي جالت في كل أطرافه بذهنية ربّ حقيقي.

14