من يسيء للرسول عليه السلام

الاثنين 2015/01/19

طبيعيّ أن تكون للمرء ذاكرة انتقائية تحتفظ بما يعجب النّفس وتترك ما يزعجها. وطبيعيّ أن تكون الذاكرة الجمعية للشعوب انتقائية كذلك، تذكر ما تجرّعته من مآس، أكثر ما تذكر المآسي التي جرَّعتها للآخرين. فنحن لا نذكر شيئا عن مآسي الغير إبّان الفتوحات، ونذكر في المقابل الكثير من مآسينا إبّان سقوط الأندلس، ولا يذكر الغرب مآسي استعمار الجزائر أو الهند أكثر ما يذكر مآسي النازية والهولوكوست، وتذكر أميركا 11 سبتمبر أكثر ما تذكر مآسي الحرب على العراق. هكذا جرت العادة أن تكون ذاكرة الشعوب انتقائية، تذكر مآسيها أكثر ما تذكر جرائمها.

بدأت البشرية تدخل مرحلة قوامها القدرة على الاعتراف. لا يزال هذا الاعتراف انتقائيا، لكنه انطلق وهذا مهمّ. وأيضا، لا يزال الطريق طويلا والمسار متأرجحا، لكنّنا نعيش بداية حقبة جديدة نحو الاعتراف بالمسؤولية عن الجرائم التاريخية. إنها معركة مفتوحة الآن، يمكن نقدها وهذا مطلوب، لكن النقد يجب أن يكون من أجل المساهمة في المعركة بدل التملص والانسحاب.

ليس قصدنا أن نسائل قدرتنا على الاعتراف بالجرائم التي نقترفها أو قد نقترفها ضدّ الآخرين، فهذا الورش لم تفتح بعد، وليس متوقعا أن تفتح قريبا، لكنّنا نكتفي بمواجهة أنفسنا: من الذي يسيء لرسولنا، نحن الذين نذبح الناس ونسبي النساء باسمه، أم الآخرون الذين يسيئون له بمجرد الرسم على الورق؟ ما هي الإساءة الأبلغ، الإساءة بالدماء، أم الإساءة بالمداد؟

ولأنّ السّؤال صريح وجب أن يكون الجواب صريحا. ماذا فعلت صحيفة شارلي إيبدو؟ إنها اختارت عبر سلسلة من أعدادها التهكم على الرّموز الدينية والأنبياء لمعظم الديانات. ثم ماذا؟ عندما وصلت إلى النبي محمد عليه السّلام قلنا لها: “إلاّ محمد”. ماذا يعني هذا الاعتراض؟ يعني بصريح العبارة أنّنا طالبنا بالحق في الاستثناء، الاستثناء الديني للإسلام، سواء بدعوى أنّه دين أقلية “هشّة” في الغرب، أو بدعوى أنّ أتباعه “متعصبون” وقد يردّون الصاع صاعين أو عشرة.

طبعا، هذا نقاش يمكن فتحه بهدوء وبعيدا عن الاغتيال والعنف والتّفجير. وأما بعد، فماذا فعلت الصحيفة؟ سخرت من نبينا بالمداد وعلى ورق لم يكن يقرؤه سوى القليلين. بل كانت الصحيفة نفسها على حافة الإفلاس قبل أن ينعشها غباء الإرهابيين.

والآن، أمامنا هذا السؤال: إذا كان رسم صورة الرّسول بالمداد على الورق يعدّ سخرية تستوجب القصاص والانتقام وقيامة الدنيا، فما القول في من اختطفوا التلميذات النيجيريات أمام مرأى العالم وباعوهن في سوق النخاسة باسم سنّة الرّسول؟ ما القول في من يقطعون رؤوس المسالمين أمام كاميرات التصوير باسم سنة الرّسول؟ نعم، ذاكرة الشعوب قصيرة وذاكرة شعوبنا أقصر، لكن لا يجوز أن يكون قصر الذاكرة إلى هذا الحد؛ فنحن نقارن بين حوادث جارية في نفس الآن ويهمنا فيها سؤال واضح: من يسيء لرسولنا عليه السّلام، هل الذي يسيل الدماء باسمه، أم الذي يسيل المداد لرسمه؟

إنّ رسما يصوّر الرّسول في أجواء تعدّد الزّوجات قد يُعتبر إساءة رمزية لإحدى أعظم شخصيات التاريخ، لكن ما القول في شيوخنا الذين يزعمون للناس بأن الرّسول كان يطوف على نسائه في اللّيلة الواحدة عدّة مرّات، وكانت طاقته الجنسية بقوة كذا وسبعين رجلا، وما إلى ذلك من الأساطير المسيئة إلى أفضل المرسلين أمام ذهول السامعين.

هل استطاع أحد إنصاف الرّسول بتذكير الشّيوخ بأنّ نبيّ الإسلام عاش مع زوجته خديجة التي أحبّها ولم يتزوج عليها ولم يتزوج بعدها إلاّ بعد انقضاء عامين على وفاتها، ما يعني أنه لم يكن مزواجا كما يصوره موروثنا الفقهي، وأنه حتى بعد زواجه “التعدّدي” لم يترك ولدا ولا بنتا غير فاطمة التي سبق أن أنجبها من خديجة ما يعني أنه ربّما كان يبحث عن الإنجاب، لا غير.

هل استطاع أحد إنصاف الإسلام ومواجهة الشيوخ بالقول، إنّ آيات السيف والجهاد والهجرة نزلت خلال فترة الهجرة، وهي فترة انتقالية في الحال والأحكام، ونسخت أحكامها مباشرة بعد فتح مكة، ومن ثمّ لا وجود لها ضمن آيات ما بعد الفتح؟ الردّ على الإساءة للرسول يجب أن يبدأ بوقفة مع الذات؛ بمساءلة التراث ونقد الموروث.


كاتب مغربي

8