من يسيطر على الكوابل البحرية يسيطر على العالم

بالرغم من كون الكوابل البحرية تغطي مجموع مساحة الأرض، وهي اليوم بمثابة طرق سيَارة رقمية بحرية كبيرة للتجارة العالمية، ومستودع كبير لنقل معطيات شبكات الربط العالمي التي تشمل جوانب متشعبة من الاتصالات والمبادلات بمختلف أنواعها، إلا أنه لا يوجد اهتمام كبير بأدوارها وتظل رهاناتها مجهولة في العالم العربي.
الثلاثاء 2016/08/23
العالم يتنفس تحت الماء

باريس – تبدو فاعلية الكوابل البحرية مقترنة بعناصر القوة العالمية الجديدة والتكنولوجيا الواجب امتلاكها، وهي بذلك أساسية في مجال تحديات المخاطر الأمنية والتداعيات المباشرة وغير المباشرة للمخاطر المعلوماتية وعواقبها على قضايا مثل التنمية والبيئة وتأثيرها في المبادلات، كما أنها من دون شك جزء من مقومات الحفاظ على السيادة الوطنية وتأمين الاتصالات وتمتين العلاقات المختلفة مع جميع البلدان والمجتمعات والقطاعات في عصر متشابك بصورة جذرية.

وتستدعي الأهمية في المعادلات المتغيرة للتعاون التجاري الدولي ومستقبل النظام الدولي للاتصالات بناء وتطوير شبكة كوابل بحرية تنطلق من العالم العربي لربطه بمختلف جهات العالم بناء على قدرات العرب الخاصة وكسر الاحتكارات الغربية، والمزيد من تثمين جاذبية السواحل العربية في حركة المرور البحرية، ودورها المحوري في ربط الكوابل البحرية التي تعرف تمركزا هائلا في بعض المناطق الجغرافية ذات الأهمية البالغة (البحر المتوسط والبحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب والخليج العربي وصولا إلى المحيط الهندي والمحيط الهادئ).

كوابل العولمة

تعد الكوابل البحرية من بين أحد أهم ابتكارات نقل وتبادل البيانات والمعطيات الرقمية حول العالم، فحوالي 85 بالمئة من مجمل الاتصالات ونقل البيانات تتم عبر هذه الكوابل التي تتميز بسرعة تدفق البيانات، بينما لا يتعدى حجم نقل المعلومات عبر الأقمار الاصطناعية 15 بالمئة، بالإضافة إلى تمتعها بدرجة عالية من الأمن والسرية (ما عدا في دول الإنزال والتفتيش)، خاصة وأن ابتكار الألياف الضوئية العالية ازدادت معه الدقة والسرعة في نقل الإشارات الضوئية، وانخفظت تكاليفها بالمقارنة مع تكلفة الأقمار الصناعية وغيرها من وسائل النقل الأخرى، فضلا عن مقاومتها للماء والأكسدة ودرجات الحرارة المفرطة فضلا عن كونها تمتاز بطول عمر افتراضي يصل إلى 25 سنة.

تجتمع في الكوابل البحرية أبعاد الربط بين العولمة الاقتصادية والاستراتيجية، وهي اليوم جزء من الجدل حول مستقبل القوة

وتجتمع في الكوابل البحرية أبعاد الربط بين العولمة الاقتصادية والاستراتيجية، وهي اليوم جزء من الجدل حول مستقبل القوة في عالم تتغير فيه معالم هذه القوة وفقا لازدياد منطق المنافسة على منطق الهيمنة. وما يضاعف من هذه الأهمية، هناك اليوم ضرورة كبرى لفهم دور الكوابل البحرية في الاقتصاد العالمي ورهاناتها، ما دامت مرتبطة أشد الارتباط بالإنترنت وتأمين الاتصالات.

وبات من المؤكد أنه لا سبيل لتحويل وتبادل المعطيات من دونها، سواء تعلق الأمر بالبريد الإلكتروني، وبنوك المعطيات المخزنة، وضمان متابعة طلبات المزودين في منطقة الشرق الأقصى أو غيرها من الجهات، فمجمل أنشطة الإنتاج تفرض تدفقا متواصلا للمعلومات، ومن ثم يتعاظم دور الكوابل البحرية، لكن يمكن بسهولة في نفس الوقت معاينة الضرر الناجم عن أي اختلال في نظام الكوابل البحرية، وما يحيط به من تداعيات.

لذلك تجدر الإشارة إلى ما وقع من ضرر بالغ في بحر الأبيض المتوسط بعد حدوث انقطاعين متتاليين في عام 2008 في المتوسط، حيث نجم عنه انقطاع خدمة الربط بالشبكة والاتصال (70 بالمئة من خدمة الربط بالإنترنت كانت مشلولة في مصر) وفي مجمل الجزيرة العربية، وصولا إلى الهند الذي فقد حوالي 60 بالمئة من قدرة شبكته لمدة أسبوع تقريبا.

أبرز الكوابل البحرية العربية والعالمية
*فالكون: يربط جميع دول الخليج العربي بالإضافة إلى الهند ومصر، فيما يربط الكابل فلاق فالكون دول الخليج ومصر والسودان واليمن والهند وجزر المالديف ويصل مداه إلى 10 آلاف كلم، وتم تشييده في عام 2006.

*فلاق فلي: يبلغ طوله 28 ألف كلم ويربط الإمارات العربية المتحدة وبريطانيا وأسبانيا وايطاليا والأردن ومصر والهند وماليزيا و تايلاند وهونغ كونغ والصين واليابان وكوريا الجنوبية.

*فوج 2: يربط الإمارات والعراق. ومن الجدير بالذكر الإشارة إلى الريادة الإقليمية التي بلغتها الاتصالات السعودية في مجال الاستثمارات الإستراتيجية المستمرة في مجال الكوابل البحرية أعلاه، والتي تعتبر من المستثمرين الأساسيين في هذه الكوابل على مستوى العالم.

*كابل سي وي 3: أحد أهم الكوابل العالمية التي تربط الدول العربية بأوروبا، ويعد أطول كابل بحري يصل مداه إلى 39 ألف كلم، تم إنشاؤه في عام 2000، ويحتل أهمية خاصة، حيث يربط بين 39 نقطة اتصال تجمع بين ألمانيا وكوريا الجنوبية وصولا إلى أستراليا، تديره الشركة الفرنسية أورانج والشركة الصينية تيليكوم، ويتكون من كابلين من الألياف الضوئية. أما الدول العربية التي ترتبط بهذا الكابل فهي (المغرب، مصر، السعودية، جيبوتي، عمان، والإمارات).

*كابل جنوب شرق آسيا- الشرق الأوسط- غرب أوروبا الذي يرمز إليه بسي وي 4 والذي يصل مداه إلى 20 ألف كلم، ويعد امتدادا لسي وي 3 وتشترك فيه 16 دولة منها (الجزائر وتونس ومصر والسعودية والإمارات).

*كابل جنوب- شرق آسيا- الشرق الأوسط- أوروبا الغربية سي وي 5، مكون من ألياف بصرية ممتد على مدى 20000 ألف كلم وانتهى تشييده في عام 2016، ويربط بين فرنسا وإيطاليا وتركيا ومصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وجيبوتي واليمن وقطر وسلطنة عمان وباكستان وسيريلانكا وبنغلادش وبرمانيا وأندونيسيا وماليزيا وسنغافورة.

وتوجد البنية التحتية لحركة المرور الرقمية بين أوروبا وآسيا في المتوسط، وبالتالي لنا أن نقدر حجم خسائر المعاملات المالية، مما يعجل بتباطؤ شديد في أنشطة البورصة، وينذر بنتائج اقتصادية وخيمة على المستوى الإقليمي والعالمي.

فجوة بحرية

الملاحظ لخارطة الفضاء الرقمي يجد أنه يعيد إنتاج نفس الفجوات الاقتصادية القائمة في عالمنا التي تهيمن عليها الولايات المتحدة الأميركية ودول الشمال، فإذا تأملنا وتيرة الصبيب العالي العابر للمحيط الأطلسي، نجد أنه يتحرك بثلاث تيرابايت في الثانية، تمثل 60 بالمئة من إجمالي حركة النقل العالمية، ويستخدم لذلك أكثر من 15 كابلا بحريا يتيح للأميركيين والأوروبيين شبكة واسعة تعد رمزا للإبحار الإلكتروني بجودة عالية. وكذلك نشهد أن الصين والهند وباكستان تعد بمثابة دول صاعدة في العالم الرقمي، بينما تتميز أفريقيا بفقر مدقع في هذه الوسائل، وتحتل مصر، والإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، والمملكة المغربية صدارة الدول الصاعدة في مجال المشاركة في أنظمة الكوابل.

وتعد الكوابل البحرية التي تمر بها قيمة مضافة عالية، أضافت إليها مكانة متميزة عالميا في عالم الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، مما يجعلها غير معرضة للتأثر بالانقطاعات المتزامنة لعدة كوابل في نفس الوقت.

لكن مما يذكر بأن باقي الدول العربية الأخرى لا تولي لها أهمية تذكر، ما حدث في الجزائر بعد انقطاع الكابل البحري بين عنابة ومرسيليا، والذي تسبب في قطع 80 بالمئة من قدرة الجزائر على الاتصال بالعالم، حيث عجزت حينها عن إصلاح العطب إلا بعد تدخل فنيين فرنسيين.

وإجمالا، تحتكر دول الشمال مجموع الهندسة البحرية الخاصة بالكوابل، ويظل الفاعلون الأوروبيون والأميركيون واليابانيون من أكبر الفاعلين.

ويتخوف المراقبون من كون هذا الاحتكار المطلق من قبل شركات غربية سيعمر طويلا، نظرا للعوائق التقنية والمالية الموضوعة أمام الدول الصاعدة.

لكن يظهر أن دول الجنوب لن تقف مكتوفة الأيدي أمام تزايد ظاهرة التشبيك عبر قيعان المحيطات، وذلك للخروج من العزلة وتمكينها من فرص التطور الاقتصادي، كما التحرر من التبعية في هذا المجال الحيوي للدول الغربية التي تمارس هيمنة مطلقة في مجال تدبير سوق المعلومات على حساب باقي دول العالم.

ورغبة منها في رأب الفجوة وإحلال توازن في مجال مراقبة محطات إنزال ومراقبة والمشاركة في أنظمة الكوابل البحرية، نشهد مؤخرا تململا في مجال الاستثمارات في مشاريع خطوط الألياف الضوئية في دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى والدول العربية بنسبة 71 بالمئة على حساب الاستثمارات في الخطوط العابرة للمحيط الهادئ (36 بالمئة)، وخطوط المحيط الأطلسي (26 بالمئة).

لكن إذا كانت جل هذه المشاريع تبقى أسيرة الشركات الغربية التي تسهر على تشييدها، فإن الأمل يظل مفتوحا مع ذلك من أجل ظهور دبلوماسية عربية جديدة في مجال حمل مشعل الكوابل البحرية متعددة المحطات.

باحث في جامعة السوربون

7