من يصل أولا إلى الهاوية؟

الأربعاء 2016/03/02

شهدت بغداد في الجمعة الماضي تظاهرات حاشدة قادها رجل الدين الشيعي الشاب مقتدى الصدر تنديدا بالفساد والمطالبة بأن يكون التغيير الحكومي المنشود بحجم ما تتعرض له البلاد من أوضاع كارثية.

كان المشاركون في تلك التظاهرات في جلهم قد قدموا من مدينة الثورة، وهي مدينة مليونية تمثل الضاحية الأكبر من بين ضواحي بغداد، وتعتبر الحاضنة الشعبية للتيار السياسي الذي يقوده الصدر. في السبت الذي تلا تلك الجمعة شهدت مدينة الثورة تفجيرين لسيارتين مفخختين، راح ضحية لهما أكثر من مئة وخمسين عراقيا، بين قتيل وجريح.

من البداهة طبعا أن يعلن تنظيم داعش عن مسؤوليته عن الحادث الإجرامي. إن لم يعلن ذلك فإن وسائل الإعلام الرسمية ستعلن بناء على تصريحات خبراء الأمن العراقيين بأن الحادث يحمل بصمات التنظيم الإرهابي.

بعيدا عن ذلك السخف لا بد من أن نتساءل “مَن هي الجهة التي ترغب في إلحاق الأذى بالعراقيين الذين رفعوا أياديهم احتجاجا على الفساد؟”. كان تنظيم داعش في الوقت نفسه يمارس تمرينات في استعراض القوة على حدود بغداد. لقد انهارت قطعات من الجيش والحشد الشعبي في منطقة أبوغريب التي لا تبعد عن مركز العاصمة سوى عشرين كيلومترا أمام زحف مقاتليه.

يكذب سياسيو العراق حين يدعون أن الحشد الشعبي قد حال دون سقوط بغداد بيد داعش. إيران من جهتها تكذب حين تزعم أنها حمت بغداد من السقوط. ذلك لأن التنظيم الإرهابي لم يقم في السابق بأي نشاط تُستشف من خلاله رغبته في التقدم في اتجاه العاصمة العراقية التي لا أعتقد أنها تقع ضمن دائرة اهتماماته.

التزامن بين استيلاء التنظيم الإرهابي على جزء من ضاحية أبوغريب المحاذية لبغداد، وبين ما شهدته مدينة الثورة في بغداد من تفجيرات نُسبت مسؤولية القيام بها إلى داعش يضعنا في منطقة استفهامية قد تساعدنا على فهم ما شهده العراق من جرائم وما يجري للعراقيين.

من باب أولى يمكن التفكير بأن الجماعة الإرهابية التي تحارب النظام السياسي القائم في بغداد لا يمكن أن تلحق الأذى بمعارضي ذلك النظام. ما يعني أن الجهة التي ضربت في أبوغريب لا يمكن أن تكون هي الجهة نفسها التي ضربت في مدينة الثورة.

أما إذا كانت تلك الجهة هي نفسها في المكانيْن فإن ذلك يؤكد ضلوع النظام الحاكم في صناعة كذبة اسمها داعش. فتفسير ما جرى في أبوغريب وما شهدته مدينة الثورة يمكن العثور عليه في محاولة القفز على المطالب الشعبية بمحاكمة الفاسدين من خلال ادعاء التفرغ للحرب على الإرهاب، الذي أثبتت الواقعتان أنه لا يزال قادرا على تهديد العاصمة والضرب في المناطق التي صارت نقية طائفيا.

ما أقصد الوصول إليه أن هدف إسكات الأصوات المعارضة لاستمرار الفاسدين من الحكم لا يدخل ضمن أجندة داعش. وفق هذا المنطق يمكنني القول إن الأحزاب الحاكمة هي الجهة المستفيدة الوحيدة مما جرى ولم يكن تنظيم داعش سوى فزاعة جاهزة.

ما يؤيد استنتاجي أن مقتدى الصدر نفسه حين وصلته الرسالة رد عليها بتجديد دعوته إلى التظاهر يوم الجمعة المفتوحة. وهو ما يعني أن الحرب التي سعى الطرفان (مقتدى بتياره من جهة، ومن جهة أخرى تكتل الأحزاب الشيعية) إلى إرجاء موعد نشوبها قد بدأت فعلا. وهي حرب ستكون مفتوحة على كل الاحتمالات.

وبعكس ما يراه ناشطو المجتمع المدني في العراق فإنني أرى أن الصدر لا يسعى إلى انتحال صفة القائد الجماهيري الملهم بمعجزاته الإنقاذية، بقدر ما يحاول أن يسبق الجميع إلى المنطقة التي يعتقد أنه من خلال الوصول إليها سيكون في منجى من تداعيات المرحلة المقبلة. وهي المرحلة التي ستشهد إعلان فشل النظام السياسي الذي أقامته أحزاب سياسية عراقية تحت مظلة المحتل الأميركي. ليس لدى الصدر ما يفعله للفقراء سوى أن يسليهم بالأدعية.

كاتب عراقي

8