من يصنع التاريخ

الأربعاء 2014/02/26
كريستوف بوطون يؤمن بأن التاريخ من صنع الكبار

تعلمنا منذ نعومة أظفارنا أن التاريخ، كالجبر الديني، قضاء وقدر، وأن صنّاعه قادة عظامٌ اصطفاهم الله من بين خلقه ليسوسوا البلاد والعباد، فأكبرناهم، كرها أم طوعا، وأضفينا عليهم من الألقاب ما يفوق أحجامهم ومداركهم، وبقينا على تلك السيرة حتى بعد أن بدا من أمرهم ما صار اليوم حديث التندر والشماتة.

لأننا نشأنا على وصايا من نوع “كم يخيب الظنّ في المقبل” كما قال الخيّام، فإننا لم نفهم معنى “نهاية التاريخ” التي أعلنها فرنسيس فوكوياما كالقضاء المبرم، لأن التاريخ، كما فهمنا، قضاء وقدر، ونهايته من علم الله وحده. فلما كذبه المعترضون عقب أحداث 11 سبتمبر وما تلاها من حرب على أفغانستان والعراق شملنا بعض اطمئنان على التاريخ، دون أن نطمئن على حالنا وقد ازدادت مع الأعوام سوءا.

حتى كانت ثورات الربيع العربي، فكان لاندلاعها وقع عالمي فنّد نهائيا مزاعم فوكوياما، وجاء ليذكّره بأن عجلة التاريخ لم تتوقف، بل لا تزال تدور وتسحق الأيام سحق مرداس بلا فرامل، لا يخطئ في طريقه منبسَطا ولا نتوءًا.

وعاد المفكرون يسألون عن ماهية التاريخ وعمّن يصنعه، هل هم الأبطال والفاتحون، أم دهاقنة السياسة، أم الشعوب؟ أم هي الأقدار والصدف العجيبة؟

نقول “عادوا” لأن هذا السؤال طرح منذ أكثر من قرن، حين كانت النظريات الماركسية والليبرالية تتصارع حول مدى سيطرة الإنسان على قوانين التاريخ، ومدى قابلية هذا التاريخ للصنع، في شكل حجاج استمر من هوبز وآدم سميث إلى هيغل وماركس وتواصل مع سارتر، وكان من نتائجه اختلاف بيّن بين فرق عديدة.

فريق يقول إن البشر يصنعون التاريخ ولكنهم لا يعرفون أي تاريخ يصنعون، وثانٍ ينكر عليهم ذلك بدعوى أن التاريخ هو الذي يصنعهم، وثالث يزعم أنهم لا يصنعون التاريخ بل ينشطون داخله، ورابع يذهب إلى القول إن البشر حينما أرادوا صنع التاريخ فرضوا رؤيتهم للأشياء والإنسان والكون فرضًا كان من نتيجته إقامة أنظمة شمولية استبدادية نصبت المشانق واقترفت المجازر.

بعض المحدثين يرون أن نهاية الإيديولوجيات تلغي إمكانية أن يكون الإنسان فاعلا في حاضره ومستقبله، وأن صنع التاريخ وهمٌ جمهوريّ الهوى عصفت به العولمة وقوانين السوق، فيما آخرون، كالفرنسي كريستوف بوطون مثلا، يؤمنون بأن التاريخ يمكن أن يكون من صنع الكبار، بشرط أن يستمدّوا شرعيتهم من شعوبهم، ويورد مثالا على ذلك نيلسن منديلّا.

في كتابه “صناعة التاريخ” يعود المفكر الفرنسي إلى بداية ظهور نظرية “قابلية التاريخ للصنع″، ويستدعي لفيفا من الفلاسفة والمؤرخين وحتى الروائيين في فترة تمتد من الثورة الفرنسية إلى الربيع العربي، ليبين، في طرح مضادّ للنظرة النخبوية للتاريخ، دور الأفراد الغمر في الأحداث الجماعية الكبرى، ويؤسس، انطلاقا من مسارات دمقرطة التاريخ، لنظرية المسؤولية التاريخية كما يسميها، وهي نظرية تتفرع إلى أخلاقيات الذاكرة لمقاومة تناسي المجازر الجماعية في القرن الماضي، وأخلاقيات الديمقراطية بهدف المشاركة الفعالة في الدفاع عن هذا النمط من النظام.

14