من يصنع الفساد في الجزائر

الخميس 2017/07/27

في هذه الأيام تتزامن الحرارة المفرطة لفصل الصيف في الجزائر مع قرع طبول محاربة ما يسمى بالفساد المالي من طرف الوزير الأول الجزائري عبدالمجيد تبون وأعضاء حكومته وحتى بعض الشخصيات والأحزاب المحسوبة على المعارضة التي تفاجئ الرأي العام الوطني، من حين لآخر، بمعانقتها في هذه المناسبة أو تلك لظل النظام الجزائري الحاكم.

وهكذا نرى مثلا، خلافا للتوقعات، أنَ عبدالمجيد مناصرة، الرئيس الجديد الذي انتخب هذا الأسبوع على رأس حزب حركة مجتمع السلم الإسلامي المعارض، يدعَم مبدئيا مواقف وتحركات الوزير الأول الجزائري والشخصيات والأحزاب المؤيدة لدعوته لمحاربة الفساد المالي، وإن كان مناصرة يدعوه في آن واحد إلى عـدم تسييس ملفات الفساد، وإلى تجنب أساليب الانتقائية التي يتم بموجبها انتقاء هذا المتورط في الفساد ويترك ذاك المتورط الآخر طليقا.

والغريب أن مناصرة لا يوضح مواقفه بشكل راديكالي ولا يقول للرأي العام الوطني في الجزائر إن ظاهرة الفساد المالي وكذلك خلط المال بالسياسة في التجربة الرأسمالية الاستغلالية المنتهجة في الجزائر، منذ التخلي عن النهج الاشتراكي التقليدي في عهد الشاذلي بن جديد، لا يمكن عزلهما عن تورط أجهزة الدولة في صنعهما منذ سنوات طويلة في الحياة السياسية الجزائرية.

مناصرة أعلن مؤخرا في تصريح صحافي قال فيه إن علي حداد “هو رجل أعمال لم يرث ماله ولم يتعب عليه بل استفاد من نفوذ وتموقع بعض الأشخاص للحصول على امتيازات وصفقات وهذا النوع أكثر أنواع الفساد خطورة”.

ويلاحظ أن هذا التصريح لرئيس حزب حركة مجتمع السلم يتميز بالتخندق وراء متاريس التعميم وعدم ذكر الأشخاص المتنفذين في أعلى هرم الدولة الجزائرية والذين دعموا ولا زالوا يدعمون علي حداد ومكنوه من الفوز بطرق ملتوية بغنائم المشاريع الكبرى ومختلف الصفقات الضخمة فضلا عن الحصول بسلاسة على القروض بمليارات الدينارات من بنوك الدولة، كما أنه لم يبتعد شخصيا عن تكريس الموقف الانتقائي الذي يعيبه على الوزير الأول عبدالمجيد تبون سواء في هذا التصريح أو في غيره من تصريحاته السابقة التي أدلى بها والتي لم يذكر فيها بكل وضوح أسماء العشرات من الشخصيات المتورطة في الفساد المالي ماضيا وحاضرا والتي لم تكشف رسميا إلى يومنا هذا أمام الشعب الجزائري ولم تحاكم بعدالة، علما أنها لم ترث بدورها المال ولم تخلق الثروة خلقا ذاتيا وبطرق نظيفة.

وفي تقديري فإن الحملة التي يتعرض لها رجل الأعمال ورئيس منتدى رؤساء المؤسسات علي حداد، المنحدر من منطقة أزفون الأمازيغية التابعة لولاية تيزي وزو، ليست مجرد ممارسة عادية لإجراءات إدارية بحتة في ما يخص مظاهر التقصير في تنفيذ المشاريع أو مجرد محاربة منهجية لما يدعى بالفساد المالي المنتشر أصلا في جميع مفاصل الدولة، بل هي أبعد من ذلك بكثير حيث أنه من المرجح أنها تدخل في إطار ليَ أذرع من يحاول الاصطفاف مع هذا الجناح من السلطة ضد جناح آخر منها ويحشر أنفه في الصراعات الخفية داخل فسيفساء النظام الحاكم، وبذلك فإنها تمثل مدخلا لتصفية الأجواء لإبراز مرشح النظام الحاكم للانتخابات الرئاسية القادمة في الوقت المناسب.

إن هذا التأويل لوضع رجل الأعمال ورئيس منتدى رؤساء المؤسسات علي حداد يمكن أن يبرره مضمون التهمة المعلنة والموجهة إليه من طرف الوزير الأول بشكل علني وصريح على أنه يمارس لعبة خلط المال بالسياسة ويتجاوز حجمه كمجرد تاجر ومقاول، وعلى هذا الأساس فإن هذه الحملة ليست نسخة نموذجية للحملات السابقة مثل تلك التي نفذت بخصوص ملف عبدالمؤمن الخليفة الذي كلَف الخزينة الجزائرية المليارات من الدولارات.

علما أن قضية عبدالمؤمن نفسها لم تعالج بشفافية بل تم التلاعب بها وفق مسرحية عجيبة الإخراج، أو أنها مجرد عقاب شخصي كما حدث منذ مدة للملياردير الجزائري يسعد ربراب ذي الأصول الأمازيغية، والذي وجهت أجهزة النظام الجزائري إلى رقبته وخزات إعلامية وبعض العقوبات الاقتصادية بسبب ما وصف حينذاك بمحاولته لشراء مجمَع مؤسسة الخبر الإعلامية، وذلك لممارسة الهيمنة على تشكيل الرأي العام الجزائري والتوجيه السياسي.

كاتب جزائري

9