من يصنع الكاتب.. الكتابة أم السلطة

الجمعة 2016/09/30

بدايات الكتّاب صعبة دائما، طريق وعر من الدربة والمحاولة المستمرة لكتابة النص الجميل، ثم لكتابة النص المختلف الذي يرسخ للكاتب خطوات نحو ذاته الأدبية وتجربته وبصمته الخاصة.

لكل كاتب الطريق الذي اختاره، هناك من يستمر وهناك من ينقطع في منتصف الطريق. هناك من يحصّل الشهرة وهناك من يبقى طي النسيان الموجع.

هنا نتساءل عن كتاب وشعراء كثيرين، كيف حصّلوا مكانة راسخة وصار لهم جمهورهم؟ هل كان طريقهم في ذلك النص الأدبي فحسب؟

النص الأدبي بمفرده لا يمكنه أن يخلق كاتبا له جمهوره، حيث غالبا ما تدخل ظروف من خارج النص في صناعة الكاتب، وكثيرون هم الكتاب الذين هم أسماء فحسب، إذ من الممكن في الوطن العربي أن تجد كاتبا دون نص، هو اسم فحسب، اسم أجوف يطفو عاليا بعدما نفخت فيه السلطة.

ما نعنيه بالسلطة ليست السلطة السياسية فحسب، هناك سلطات كثيرة مثل سلطة الأخلاق، المعرفة، المجتمع، الدينن المال، الجسد، إلخ.

نركز هنا على السلطة السياسية التي لم تتوقف يوما عن صناعة مثقفيها ومبدعيها، أحياء أو أموات، وهنا قد لا تكون للكاتب الذي تصنعه السلطة يد في ذلك، وهذا مثلا ما حدث للشاعر التونسي أبوالقاسم الشابي الذي صنع منه الحزب الدستوري الحاكم إبان الاستقلال شاعر الخضراء بلا منازع، وذلك بعد وفاته. كتب الشابي ألمه ونظرته الرومنطيقية للعالم في أشعار مميزة، لكنه توفي شابا في العشرينات من عمره، بعدها كان على السلطة السياسية الناشئة أن تجمع وجوها ثقافية وإبداعية لها، كما تفعل كل سلطة، فضخت في اسم الشابي وعظمته، ولا ذنب للشاعر في ذلك. ونفس الشيء نراه يتكرر مع الشاعر الراحل محمد الصغير أولاد أحمد وما أشبه الأمس باليوم. ونفس الشيء حدث مع محمود درويش الذي صدرته السلطة رغم محاولاته الحثيثة في الفترة الأخيرة للتملص من رباطها وتأثيراتها، وهو ما نجح فيه نسبيا.

ولا ننفي عن الشعراء هنا تمكنّهم وفرادة تجاربهم، فغالبا ما تبحث السلطة عن الأفضل لتستوعبه وتحتضنه وتصرف من خلاله نفسها وتستقبل من خلاله المصلحة التي تبغيها، ألا وهي الإمساك بكل شيء حتى الإبداع اللامقنن واللاثابت، حتى التاريخ، الماضي والمستقبل. وبعد أن تستهلك هؤلاء المبدعين تلقي بهم بعيدا عن الضوء، لتدور رحاها إلى مبدعين آخرين. وهذا ما يلحق كسبا لها وضررا فادحا للإبداع والمبدعين.

هناك نوع آخر من الكتاب هم بلا منتج أدبي لكن انخراطهم مع السلطة صنع منهم أسماء أدبية لامعة. هؤلاء لا شيء يتحدد عندهم خارج المصالح الضيقة، وهم موجودون أسماء فقط تنتهي بانتهائهم.

هناك أيضا من الكتاب من يتوسل بسلطة أخرى غير السلطة السياسية، والغاية دائما غايات ذاتية كثيرة لكن ليس الأدب من بينها.

ولا نبالغ إن قلنا إنه في غياب مؤسسة نقدية وغياب المنظومة الأدبية الدور الكبير في أن يكون طريق أي كاتب خارج نصه قبل أن يكون داخله. لذا فأغلب الكتاب العرب هم صناعة سلطة ما، جعلت منهم تجارب لا يمكن نقاشها، فغالبا ما يقاس الكاتب بحجم اسمه لا بمنجزه، بمواقفه، بحياته، بمنصبه، بكل ما تعلق به خارج النص. أما النص الذي لا يعرف ثباتا واستكانة فيكون غالبا في مرتبة متأخرة.

شاعر من تونس

14