من يطبق القانون لحماية عاملات المنازل في الأردن

بعض العاملات المنزليات القادمات إلى الأردن الحالمات بتحسين أوضاعهن المادية يصطدمن بعدة عراقيل تحول حياتهن أحيانا إلى جحيم، فتتكرر الانتهاكات الجسدية حتى أنهن يتمنين لو لم يخرجن من بلدانهن رغم الظروف القاهرة، ووصل اليأس ببعضهن إلى الانتحار من شدة ما عانين من ظلم صاحب أو صاحبة العمل، ورغم أن السلطات تحاول جاهدة حمايتهن إلا أن العديد من العراقيل تحول دون ذلك.
الاثنين 2016/05/30
شقاء لا يرضي صاحب المنزل

عمان- مع تزايد انتهاكات حقوق عاملات المنازل في الأردن من قبل بعض الأسر حسب دراسات وتقارير، لا تزال وزارة العمل غير قادرة على حصر تلك الانتهاكات لصعوبة تفتيش المنازل التي يعملن فيها، ومتابعة أوضاعهن إلا في حالات ضيقة يسمح بها القانون وفق ما تقوله الوزارة.

ويؤكد رئيس قسم العمالة الوافدة في وزارة العمل إبراهيم الساكت، صعوبة التفتيش في المنازل بسبب العادات والتقاليد والقوانين والثقافة السائدة في المجتمع، إذ كيف سيطرق مفتش العمل البيت للاطلاع على أوضاع العاملة دون وجود شكوى أو مبرر قانوني، لافتا إلى أن هذا الحاجز لابد أن ينكسر عاجلا أم آجلا من خلال توقيع العاملة المنزلية عقد العمل أمام الشخص المعني ومفتش العمل، حينها بالإمكان اللجوء إلى مفتش العمل في ما يتعلق بتجديد تصاريح العمل، وهي فرصة للتحقق من ظروف العاملة وشروط العمل بمقابلتها انفراديا.

ويوضح الساكت أهمية هذا الإجراء قائلا، “إذا أرادت العاملة إجراء فحص طبي والامتثال أمام جهة حكومية، وفي حال لاحظ المفتش من خلال الفحص وجود إصابة أو مشكلة صحية يستطيع إبلاغ الجهات المعنية، كما أتاح النص القانوني لمفتش ومفتشة العمل مجتمعين التفتيش في ما يتعلق بظروف السكن”. ويبلغ العدد الرسمي للعاملات من غير الأردنيات أكثر من مئة ألف منهن 35 ألفا مخالفات للقانون في بيوت مستخدميهن، ولم يجددن تصاريح العمل والإقامة.

في الغالب لا تكون لعاملات المنازل عقود عمل قانونية ويحدث أن توقع العاملة عقدا قبل سفرها من بلدها الأصلي، ولكن لا يلبث هذا العقد أن يستبدل بعقد آخر باللغة العربية

هروب وانتحار

تحفل الصحف الأردنية يوميا بإعلانات “خرجت ولم تعد” الخاصة بالعاملات الهاربات من بيوت مخدوميهن، وأخبار إقدام العشرات منهن على الانتحار أو السقوط من أسطح العمارات، فيما يرى خبراء في مراكز حقوق الإنسان أن “حصر الإقامة في مكان العمل، وطلبات العمل المفرطة، وإساءات أصحاب العمل والضغوط الاقتصادية” هي من الأسباب الرئيسية، التي تدفع العاملات إلى الانتحار.

وتشير تقارير سنوية إلى أن عدد حالات رفض العمل والهروب في العام الماضي بلغت 1230 حالة، مقابل 1078 حالة عام 2014. وبحسب أرقام مركز تمكين للدعم والمساندة سجلت 100 حالة محاولة انتحار عام 2014 لعاملات المنازل، أدت إلى إصابات متفاوتة الخطورة ووفاة واحدة، مقابل 108 حالات عام 2013.

وتعزو مديرة مركز تمكين ليندا الكلش، هروب العاملات إلى الانتهاكات التي تمارس بحقهن، كحجز جواز السفر أو بطاقة الإقامة أو تصريح العمل، الذي يعد أحد أكثر الانتهاكات بحق العاملة، إضافة إلى عدم دفع الأجور بشكل جزئي أو كلي، والعمل الجبري لمدة تزيد عن ثماني ساعات يوميا، أو العمل في منزلين في اليوم الواحد، إضافة إلى الإساءات اللفظية والجسدية للعاملة، وهي موجودة بنسب متفاوتة.

وفي شهر أبريل تعرضت ثلاث عاملات منازل من الجنسية البنغالية إلى انتهاكات من قبل مشغليهن دفعتهن إلى إلقاء أنفسهن من الطابق الثاني للمبنى الذي يوجد به مكتب لاستقدام العاملات المهاجرات، وهو ما يراه مركز تمكين تطورا خطيرا لما يحمله من تهديد لحياة العاملات.

وذكرت العاملات أن اثنتين منهن تعرضتا لانتهاكات من قبل أصحاب المنازل التي كانتا تعملان بها، وبعد إصرار منهما جرى إعادتهما إلى مكتب الاستقدام، وخلال تواجدهن بالمكتب أكدن لفريق المركز أنهن تعرضن للضرب بالأيدي والأرجل، كذلك جرى حبسهن بدورة المياه، وكان صاحب المكتب يحرمهن من الطعام والشراب، وكن يشربن من المياه الموجودة في “المرفق الصحي”، وكان بعض العاملين في المكتب يوفرون لهن بقايا الطعام أو “الآندومي” خفية عن صاحب المكتب.

الهروب أفضل وسيلة

يؤكد مركز تمكين أن هذه الحادثة ليست الأولى من نوعها فقد وثق المئات من الحالات المشابهة التي تعرضت فيها عاملات المنازل للضرب والتعذيب النفسي والجسدي إلى حد التهديد بالقتل.

وإزاء ذلك يطالب مركز تمكين الجهات المختصة بزيادة الجهود لحماية العاملات المهاجرات، وزيادة الحملات التفتيشية، ومعاقبة الجناة. ويؤكد مدير وحدة المساعدة القانونية بمركز عدالة لدراسات حقوق الإنسان حسين العمري، أن شكاوى عاملات المنازل التي ترد للمركز تفيد بـ”تعرضهن لظروف عمل قاسية كطول ساعات العمل، وعدم تلقي الرعاية الصحية وتردي مكان السكن، وعدم توفير الطعام الكافي، فضلا عن تعرضهن للضرب والشتائم، وعدم السماح لهن بممارسة شعائرهن الدينية وحرمانهن من الاستراحة”.

نظام الكفالة

تخضع العمالة المهاجرة في الأردن إلى نظام الكفالة، حيث يقوم صاحب العمل بصفته كفيلا، أو مكتب التوظيف، باستقدام العامل من بلده، عبر مكاتب التوظيف في البلد المرسل، ويكون الكفيل مسؤولا عن نفقات سفر العامل كافة.

وفي الغالب لا تكون لعاملات المنازل عقود عمل قانونية، ويحدث أن توقّع العاملة عقدا قبل سفرها من بلدها الأصلي، ولكن لا يلبث هذا العقد أن يستبدل بعقد آخر مكتوب باللغة العربية دون أن تعرف العاملة الشروط المذكورة فيه.

ويقول مصدر من وزارة العمل، “إن بعض أصحاب مكاتب استقدام عاملات المنازل لا يلتزمون بالعقد الموقع مع صاحب العمل، ما يسبب مشاكل بعد بدء العمل، وأحيانا وعند عودة العاملة إلى المكتب يقومون بانتهاك حقوقها كتشغيلها بعدة منازل، أو حجزها لأيام في المكتب”.

وتدلّ دراسة أجرتها منظمة العمل الدولية على أوضاع العاملات المهاجرات في الأردن العام الماضي، على عدم وجود أي نوع من العقود مع العاملات، تكون متفقة مع العقود التي استقدمت بها العاملات من بلدانهن.

وتفتقر عاملات المنازل في الأردن إلى التأمين الصحي، رغم توفير تأمين لهن ضد الحوادث، وهو شرط من شروط استكمال الإقامة وتصريح العمل في المملكة.

وتشير الكلش إلى توجيه إنذارات بحق 32 مكتبا في العام الماضي، نتيجة انتهاكاتها تجاه العاملات وعدم تصويب بعضها لأوضاعهن، داعية إلى توعية عاملات المنازل، من خلال برنامج ترحيبي، بمعرفة حقوقهن وواجباتهن.

32 عدد مكاتب العمل التي تلقت إنذارات نتيجة انتهاكاتها تجاه العاملات وعدم تصويب بعضها لأوضاعهن

ويربط نظام الكفالة التقييدي تأشيرات العاملات المهاجرات بأصحاب عملهن، ما يعني أن بإمكان أصحاب العمل حرمان العاملات من القدرة على تغيير الوظيفة أو مغادرة البلاد. ويوضح العمري أن نظام الكفيل وتطبيقاته “يساهمان بشكل مباشر أو غير مباشر في قبول عاملات المنازل بجزء من الانتهاكات الواقعة عليهن لعدم وجود بديل لهن سوى الاستمرار بالعمل”.

ووفقا للدراسة التي أعدها مركز تمكين للدعم والمساندة بعنوان “نساء مهمشات”، حول ظروف عمل ومعيشة عاملات المنازل المهاجرات وغير النظاميات للعام 2015، تعرضت 71 بالمئة من العاملات اللواتي جرت مقابلتهن لمصادرة جوازات السفر مرة واحدة على الأقل خلال فترة إقامتهن في الأردن، ورفضت مكاتب الاستقدام إعادة جوازات السفر لعاملاتها، وفي أحيان كثيرة يتعرضن للابتزاز بإعطائهن جواز سفرهن لقاء مبلغ مالي يعجزن عن دفعه.

ويعد العمل الإضافي دون تلقي أي تعويض سمة جوهرية لظروف عمل العاملات، إذ أن 62.5 بالمئة من عينة الدراسة أكدن عدم توفير يوم عطلة للراحة كما هو منصوص عليه في العقد الموحد ونظام العاملين في المنازل، و38.7 بالمئة من العاملات التي جرت مقابلتهن لم يحصلن على رواتبهن بشكل منتظم، إلى جانب عدم دفع أجورهن في غالبية الأحيان، وواجهت 23 بالمئة من عينة الدراسة الاعتداء الجسدي أو الجنسي، وفي حالات أشد إيذاء قام صاحب العمل بإلقاء الحليب الساخن على وجه العاملة ووضع ملعقة ساخنة على يدها، لأن ابنه رفض شرب الحليب، عدا تعرض أكثر من نصف العينة إلى إساءات لفظية شائعة.

وتظهر الدراسة عدم توفر شروط السلامة العامة لعاملات المنازل من قفازات وكمامات في حال استخدامهن المواد الكيميائية، وعدم توفير العلاج الصحي لهن في حال إصابتهن بالمرض، وعدم القدرة على توفير الاتصال المنتظم لهن مع أهاليهن.

التفنن في التعذيب إلى حد الحرق بالماء الساخن والكي

وتشير البيانات الرسمية إلى وجود ما يقارب 50 ألف عاملة منزل مسجلة في الأردن، إضافة إلى نحو 30 ألف عاملة غير مسجلة، فضلا عن عدم توفر المعلومات لدى العاملات المهاجرات حول حقوقهن والاتفاقيات التعاقدية التي تحدد ظروف العمل والرواتب، إلى جانب غياب آليات الإنصاف القانونية المناسبة.

خروقات قانونية

تؤكد مديرة النوع الاجتماعي والدمج في مشروع تطوير القوى العاملة، غادة سالم، وجود خرق لحقوق العاملات، مع أنه ليس من السهل توثيق الانتهاكات والضرب والحبس، وحجز الوثائق، وفي أوقات لا يتم إطعامهن، كما يتم استخدام أسلوب الحرق معهن، وهنالك حالات محدودة تقوم فيها الشرطة في بعض الحالات بإخراج العاملة من المنزل.

وترى سالم أن عدم وجود مراقبة على دفع الرواتب المستحقة لهن، يدفع بعضهم إلى تكليفهن بالعمل في أكثر من بيت، وهو ما يشكل مخالفة قانونية لعملهن عند رب الأسرة، مبينة أنّ حجز وثائقهن وعدم إخراجهن من البيت يعدان انتهاكا صريحا بحقهن.

ويدعو الساكت، إلى تفعيل القانون وخاصة في حال تسجيل انتهاكات والإبلاغ عنها، إذ أنّ هنالك حالات يتم فيها احتجاز العاملة من أربع إلى خمس سنوات دون إعطائها أجرها، ففي هذه الحالة يتحرك ضابط من البحث الجنائي ومفتش العمل ويتم إحضار العاملة للمثول أمام الجهات المختصة ومعاقبة الجناة.

ويبين أن الكثير من العاملات القادمات، لا يعلمن مسبقا بقدومهن إلى الأردن وبالتالي لايعرفن ثقافة المجتمع، وأن ما تصبو إليه فقط جني المال، فهؤلاء أكثر عرضة للانتهاك، ولا يعرفن حقوقهن، وليس لديهن الوعي بضرورة اللجوء إلى الجهات المختصة، لافتا إلى أنه نتيجة جهل العاملة بحقوقها فإن وزارة العمل تعكف، على إيجاد مركز تدريبي للعاملات وبخاصة الهاربات من المنازل، لتعريفهن بالقوانين وتثقيفيهن بطبيعة العمل وبحقوقهن.

20