من يطعم اللبنانيين القذارة هل يوحّدهم

الثلاثاء 2014/11/18

ما فتئت الوقائع الملموسة تؤكد الافتراقَ، بل العداءَ الكاملَ الذي تكِنّه المافياتُ الغاصبةُ للسّلطة وللثروة في لبنان، جميعُها، لمُجملِ الشّعب اللبناني بِغضِّ النّظرِ عن الانتماءاتِ الطائفيّة أو المذهبيّة أو العشائريّة أو المناطقيّة المَزْعومَةِ التي تَتَوَسّلُها تلك المافيات كسلاح خارقٍ في عمليةِ إعادة إنتاج سَيطرتِها. إذْ لم تَمْضِ أيامٌ على إعادة اغْتصابِ السّلطة مِنْ قِبَلِ “مندوبيها الدائمين” في برلمان العطالةِ من خلال حفلة التمديد سيّئة الذّكْرِ لِوِلايتِهم مُدّةَ سنتين وسبعة أشهرٍ إضافيّة حتى انكشفَتْ فضيحةٌ مدويَةٌ تتعلقُ بِسَلامَةِ الغذاءِ الذي يصلُ إلى كلِّ بَيتٍ وكلِّ أُسْرَةٍ في لبنان.

وفي حين لم يَلْتئمْ هذا البرلمان المُزيَّفُ لانتخاب رئيسٍ للبلاد، مع أنّ أيّ انتخابٍ يجريه هذا المجلس لا يَتمتّعُ بِأيّةِ شَرعيّةٍ بناءً على بُطْلانِ وَكالتِه السّياسيّة بَعدَ مرور سنتين على انتهاءِ ولايتِه الأصليّة، وبِغضِّ النّظرِ عن مدى شرعيّة القانونِ الذي تَمّتْ على أساسِه عمليّة الانتخاب، وفي حين لم يجدْ هذا البرلمانُ نفسُه خلالَ هاتَيْن السنتين وخلالَ السنواتِ الأربع الأصلية من ولايتِه، وقتًا كافيًا لإقرارِ قانونٍ انتخابيّ جديد، وفي حين لمْ يجد وقتًا لإقرار قانونِ موازنة، وهو قانونٌ ضروريٌّ لإجراءِ المحاسبةِ العموميّة المعطّلةِ منذ أكثر من عَشْرِ سنوات والمُفبْرك بحسب حاجات المافيات نفسِها للنهب والفساد، قَبْلَ ذلك بِسنين..

وحيثُ لا أعرفُ تمامًا الأسبابَ الحقيقية التي دفعَتْ الوزيرَ وائل “أبو فاعور”، وزيرَ الصّحة، إلى القيامِ بحملتِه المَشْهودة للكشْفِ، ومُلاحقةِ مراكز توزيع الموادّ الغذائية والمطاعمِ التي تُقدّمُ للمواطنين موادَّ غذائية تَبيّنَ أنّها تشتمِلُ على موادّ فاسدة ومُلوّثة، إلا أنّ هذه الحملةَ ذكّرتْني بِحمْلةٍ مُماثلة حصلَتْ مُنذ أرْبعِ سنوات كشفَتْ هي الأخرى مَدى استهتارِ العصابات الحاكمة بصحّة وسلامةِ المواطنين، إذْ تَبيّنَ وقتَها أنّ كثيرا من المواد الغذائية المنتشرة في الأسواق اللبنانية فاسدةٌ تماما. في حين كان السبب المباشر لإطلاق تلك الحملة إصابةُ “رندة بري”، زوجة رئيس مجلس النواب “نبيه بري”، بتوعّكٍ شديد نتيجةَ تلوّث الطعام الذي كانت تناولتْه مُصادفةً في أحد المطاعم.

وللأمانة، فإنّ عددا من الإصابات كانت، في حينِه، قد سُجلَتْ بين المواطنين ومنها سُقوطُ ضحايا أذكر من بينهم شابين كانا يحتفلان بمناسبة تخرّجهما من الجامعة فتناولا طعاما فاسدا ما أدى إلى وفاة أحدهما بعد وقت قليل. ولكنّ تلك الحادثة لم تحرّك الأجهزة التي تحركتْ بناءً على إصابة “رندة بري” لاحقا.

واليوم، يفعلُها “أبو فاعور”. لا نعرف السببَ المُباشر، ولكنّه يفعلُها ويُحاول ملاحقة المؤسسات التي تُطعم اللبنانيين طعاما ملوّثا، حتى بالبرازِ البشري.

لكنّ “أبو فاعور” يُحاول اجتراحَ بطولة فريدة، هل مَنْ يُغطيه. قد يتمتع بغطاءٍ طائفيّ أو مذهبي أو سياسي، لكن، لماذا لا يتمتّعُ بغطاء قانوني مؤسساتي يحمّلُه مسؤولية صحة اللبنانيين وسلامةَ غذائهم ثم يحميه ويساعده في القيام بهذه المسؤولية؟ بالتأكيد فإنّ ائتلافَ المافيات المُسيطر لا تهمّه لا قوانين ولا مؤسسات، وحين يُقرر مُواجهة مسؤول ما يقوم بدورِه، فإنّه قادرٌ على تجاوزِ كلّ ذلك، وسَحْقِه. من هنا فإن اجتراحَ البطولات دونَه مَطبّاتٌ وأهوال.

فمُنذ اللحظة الأولى أشهرَتْ مافيات الاتّجار بالغذاء ومافيات المطاعم سيفَها في وجه الوزير المِقدام. “إن سلوك وزير الصحة يُسيء للسياحة” “لا يمكن لوزير الصحة أن يُشَهّرَ هكذا بالمؤسسات السياحية وبهذا الشكل”.. “من يدعم ”أبو فاعور” في حملته التي طالت سمعة لبنان السياحية”.

وهنا نواجه جملة من الأسئلة: هل يستطيع “أبو فاعور” استكمال حملته التي بدأها. أم إنّ مآلَها إلى الانحسار والتراجع ثم الصمت أمام الهجمة المضادة لمافيات السلطة التي تحمي تلك التجاوزات الخطيرة وتستفيد منها. وهل يمكن لمقايضةٍ ما أنْ تجعلَ حملةَ الوزير “أبو فاعور” في مهبّ المساومات. هل يتنبّه المواطنون إلى حقيقة علاقة مافيات السلطة بهم فيتوحدوا في وجوههم جميعا. أم إنّ استمرار الضخّ الاعلامي التحريضي طائفيا ومذهبيا وحملاتِ التخويف المتبادلة بين الطوائف والمذاهب ومن احتمالات الحرب الأهلية، يُنْسيهم ما تذوّقوه من كوارثَ ويدفعهم من جديد إلى تأبيد الانقسامات التي تُتيح استمرار غياب الوعي بحقيقة المتاجرين بدمائهم وبِلقمة عَيْشِهم التي طالما كانت مُغمّسة بالعرق وبالدم، واليومَ باتَتْ مُغَمّسةً بالقذارة ومُثْقلَةً بالأمراض.


كاتب لبناني

9