من يعرف أين يذهب الناس حين ينامون

الأحد 2013/11/17
أليكو وزوجه زيمفيرا 1955

تتحفنا الروائية الفرنسية فيرونيك أولمي عبر رواياتها الجديدة "الليل في الحقيقة"، من منشورات ألبان ميشيل، بباريس، بكتابة جيدة وأسلوب شيق. تحدثنا هذه المرة عن العلاقة الوطيدة بين أمّ وإبنها. توجد الكثير من المشاهد المؤثرة بالنص، وحوارات جد قاسية بعض الأحيان، تُفشي هشاشة كليهما.

وضعية المرأة والطفل، تتناولها الأوساط السياسية والمجتمع المدني عبر مقاربة حقوقية، لكن الكاتبة تستدرجنا إلى مقاربة من نوع آخر، تجعلنا نلامس الشعور ونلتمس العفو…

أمّ عازبة، ترفض الشيخوخة وترقُب التجاعيد بالمرآة تماما كعدد العشاق المفتقدين. أما الطفل فالآلام تقض مضجعه لكن ليس من حقه أن يشتكي، فهو يدرس بإعدادية راقية. إنه يعي أنه يخالط صفوة المجتمع بفضل المجهودات اليومية لوالدته التي تقوم بالأشغال المنزلية عند الأغنياء. يتقبل الطفل"إينزو" الوضع رغم بعض محاولات العصيان، ويلتجئ إلى البحث عن أب لم يعرفه والذي قد يعيد له الأمل.

تتواجد الشخصيتان قبالة نفسيهما، نحس أنهما على وشك النهوض، لكنهما مثقلان بالظروف اليومية المرة والمدمرة. غياب الأب، الطفل المرآة، الطفل المنعكس أو كيف نمسك بنور يفلت منا. يمدان يديهما نحو حياتهما، الموضوعة هناك، بجانبهما. كتابة مرهفة ومفعمة بالأحاسيس، تتناول بإحكام بساطة اللحظات المتقاسمة التي لطالما يجعلها الواقع سخيفة على خلفية الاختلاف.

عن هذه الرواية طالع القراء مقتطفات لتحليل نقدي أوردته سيسيل بيلران بمجلة أكتويالتي.

إينزو بوبوڤ («بدين يدعى بوبوڤ، يجعلك تموت من الضحك») يبلغ الثانية عشرة من عمره، يعيش في حي برجوازي بباريس، يدرس بإعدادية «راقية، للعائلات المحترمة». والدته "لييوبا"، تعمل منظفة في الشقة التي يقيمان بها بشكل مؤقت. بانتقالهما إلى ذلك المكان الذي لا ينتميان إليه، يتخبطان كلاهما دون قدرة على الاندماج، يتقبلان الإهانة ويقوّسان الظهر. إينزو، الطفل السمين، ضحية لتحرش معنوي فظيع بالمدرسة ولييوبا تحبس وجودها في ذلك التنظيف، بتفان لدرجة الهوس وعبودية لأشخاص لا يكترثون، مسافرون في أغلب الأحيان.

"الليل في الحقيقة" أسلوب شيّق في الكتابة

حياة على الهامش، تُنَسِّمها أحيانا بخرجات مع صديقة أو عشيق لأمسية واحدة. أُمّ تكاد لا تزال مراهقة، «كانت تتشبت بسنها في التاسعة والعشرين وكأن بعدها مباشرة، توجد حافة محتومة»، لييوبا ليست ماهرة وتكاد تكون عديمة التجربة في ذلك الدور المستحيل («كانت حياتها موضوعة بجانبها، ومهما حاولت أن تمد يدها، لم تكن أبدا تستطيع الإمساك بها جيدا»)، تربطها بإبنها، المراهق الصغير، علاقة غير واضحة المعالم، دون ثوابت بالنسبة إلى الطفل. «كُف عن مناداتي ماما طوال الوقت، كم من مرة قلتها لك».

هي أيضا لا ترى طفلها يعاني، وهو محط للسخرية والاستهزاء بشكل مستمر بالمدرسة. إنه يفضل الهروب كلما تسنى له ذلك. «أن يرى نفسه عاريا أمام مرآة، أبدا ما كان ليفعل ذلك، أبدا لن يكون ذلك الطفل، الذي إذا قابله سيُخجله. لم يكن إينزو يريد أن يكون عدو نفسه». فتى شاب ضعيف الكيان لكونه دون أب ودون أصول محددة، دون صورة قوية تساعده على إعادة بناء شخصيته. «إنه يفكر في الموت، الذي لا يجذبه، وفي الحياة التي لا يعرف أين يجد مكانه فيها».

أمه، كانت تُخجله بعض الأحيان. «على الرصيف المقابل، بماكياجها الأزرق، سروالها اللاصق بلون النمر، شعرها الأشقر أكثر من اللزوم وحقيبتها اليدوية ڤويتون المزيفة، ما هذه الكارثة، كم كان يكرهها هكذا!»، إنه لا يعرف من هو، فيبتكر إذن لنفسه وجودا («بوبوڤ كان فيزيائيا مشهورا وأيضا سباحا، بطلا أولمبيا») لكي يهرب من الفراغ الذي يدفعونه إليه باستمرار والذي يهدد بتحطيمه مرارا.

في الغرفة الصغيرة حيث استقر وسط ركام أشياء تم التخلص منها، بالليل، جاءه جندي ليتحدث معه، ليذكره بأن له عائلة، تاريخا، أصولا بعيدة، وهذا الاقتحام الخيالي، المدجج بالمشاهد التاريخية، سيصير ذا أهمية عبر الصفحات، سيتوطد في الأعماق، يتجاوز الواقع ويُمَكّن الطفل من الهروب من مآسيه اليومية، من البوح لنفسه، من إثبات ذاته، من الخروج والتحرر من ذلك الاضطراب الذي كان يتعب في خضمه ويتآكل، "بالليل، هو موجود". «كان الليل يهمس للطفل بأشياء خفية، وكأنها نسمة، كان يشعر بها، حاضرة ومتموجة، كان ذلك يأخذ شكل سحابة صغيرة: الليل يهمس وذلك يخيف».

هذه الدراما الأسرية التي يلعب أدوارها إثنان، والتي تشبه إلى حد ما تلك التي بـ "ضفة بحر"، لاسيما في جانبها المروع وقاسي البرودة، يتم هنا التعبير عنها بتحفظ ورِقّة شديدة، يربِكان القارئ ويجعلانه يحس بدوار. دون إفراط، فيرونيك أولمي تحكي الارتعاب، تصف بعفة وحياء لكن بشكل حي، إذلال لييوبا من طرف مشغليها (ينادونها كما يشاؤون، «بابا، لِيلا، لأن ذلك كان أجمل»، يغادرون ويعودون دون إشعار، يُظهرون أنفسهم كـ"محسنين" لكنهم بالنهاية من القسوة بمكان)، تحقير إينزو من طرف تلاميذ مدرسته في مشهد تعذيب يصعب تحمله، وتربط القارئ بشكل وطيد مع هذين الكائنين الضعيفين والطائشين.

ببالغ الشدة والتأثر، تحكي فيرونيك أولمي عن العزلة، الاستبداد، الطغيان والجراح الباطنية، لكنها تخوّل لشخصياتها فرصة للإفلات، عن طريق الأحلام، عن طريق الكتب؛ فرصة لمعانقة الذات ثم الهروب. مع أن هذا التمرين يمر عبر مجرى الخيال، فالكاتبة تنزع من القصة رغم مرارتها وعتمتها، تلك النهاية اليائسة والمأساوية المتوقعة. فالقارئ يكون أقل تشنجا وأقل حرقة، لكن تلك الصيرورة التي ليس باستطاعته التحكم بها، مُشَوِّشة ومُحَيِّرة، بل شيئا ما مُخَيِّبة. وكأن الواقع السوداوي ما كان ليجد له مخرجا مناسبا إلا في تلك الفسحات اللاواقعية، والكئيبة بعض الأحيان.

هذا، غير أن القارئ المرتبط حميميا (منذ الصفحات الأولى) بتلك الشخصيتين، يتمنى لهم السعادة من كل قلبه؛ كذلك يستسلم للاقتناع، بالنهاية، بتلك النصرة المدهشة للتحرر.

15