من يعيد محمد حسن الصوت الليبي الصادح إلى غنائه

الجمعة 2014/03/28
محمد حسن عزل عن الغناء بسبب كثرة أغانيه الوطنية في عهد القذافي

الصوت الليبي محمد حسن صاحب الروائع الليبية الخالدة كـ”ليش بطا مرسالك عني” و“يسلم عليك العقل” وغيرها، وملحن كبار الفنانات المغاربيات والعربيات أمثال الراحلة وردة الجزائرية، والمغربية سميرة سعيد، والمصرية غادة رجب، ولطيفة والراحلة ذكرى من تونس، بعد ثورة 17 فبراير الليبية، غاب عن المشهد الفني بصفة كليّة.

محمد حسن تم تغييبه بداعي أنّه أحد أبواق نظام معمر القذافي السّابق، وهو الّذي عُرف بأدائه للعديد من الأغاني الوطنية والأناشيد الحماسية، لعلّ أبرزها أغنية “من طبرق طير يا حمام”، التي غناها مع بدايات تسلم القذافي للسلطة عام 1969، وأيضا أغنية “بلادنا زين على زين”، وأوبريت “مطلوق سراحك يا طوير” وغيرها.. هو اليوم ممنوع من الغناء، أو بعبارة أدق، ممنوع من الظهور الإعلامي.

يعترف محمد حسن في آخر تصريحاته الصحفية المنشورة في أكثر من وسيلة إعلامية بالقول “لا يمكن لأحد أن يقدّم إبداعا لأجل الإبداع أو فنّا لأجل الفن، ما لم يقدم تنازلات.. وعيبي أنّي غنيت للطاغية”.

مضيفا “غنيت عن الجلاء وعن الحرية وعن الجهاد، وأزعم أنني واحد من الناس الذين ساهموا في إبراز تراثنا.. ونسبة الأغاني التي غنيتها للطاغية لا تتجاوز عشرة بالمئة من مجموع أعمالي”.

ويؤكد محمد حسن “لم ألتحق طوال حياتي باللجان الثورية، ولم أنتسب إلى أي جهاز أمني”.

إقامة جبرية

يقول الروائي التونسي لسعد بن حسين إنّه ومنذ اندلاع الثورة الليبية، وحسن يعيش تحت الإقامة الجبرية بمنزله الكائن في منطقة النكازة بمدينة الخمس، إلى أن تمّ تكليفه مؤخرا، تحديدا في الذكرى الثانية لاندلاع الثورة الليبية، بتلحين أوبريت تتغنى بأمجاد ليبيا، وقد أبدع فيها كعادته، لكن ورغم ذلك ظل حبيس بيته، إذ لم يحضر مراسم الاحتفالية.

لسعد بن حسين: كيف يكتم صوت فنان مثله الفنان طائر يتجاوز القيود والحدود

ويتساءل بن حسين “كيف يُكتم صوت فنّان مثله؟ الفنان طائر يتجاوز القيود والحدود، والطيور لا تحبس.. الطيور تغرّد للحياة”.

وحسن المولود سنة 1951 بمدينة الخمس الليبية، يعتبر من أبرز نجوم الأغنية الشعبية الليبية، وهو ملحن بارع لصنف الأوبرا الغنائية، مثل أوبريت “شرق وغرب”. عرف بقوّة صوته ودسامة ألحانه وتشبّثه بالأصالة الليبية لحنا وحضورا، وهو الذي يقدّم أغانيه المباشرة في خيمة فنية بلباس تقليدي ليبي وجلوسه القرفصاء ماسكا عوده وموجها فرقته الموسيقية، مقدّما روائع سلسلة “النجع” الّتي شاركته في أداء بعضها الرّاحلة التونسية ذكرى محمد، وأيضا مجموعة “الواحة” اللّتين كتب جلّ كلماتهما الشاعر الليبي عبدالله منصور.

و”النجع” هي عبارة عن مجموعة من الأهازيج والأغاني القديمة التي ردّدها الأجداد الليبيون، ولكن قدّمها محمد حسن بعد فترة طويلة من البحث والتنقيب بطريقة ورؤية عصريَّتَيْن.

يقول حسن “الخيمة الغنائية ليست ملكا للطاغية، بل هي تراثنا، فيها أفراحنا وأتراحنا.. وفكرتها بدأت تحديدا عام 83، بل هي فكرة كلّ من سليمان الترهوني وفضل المبروك وتونس مفتاح وفرحات فضل وبشير الشيباني وحسن عريبي”.

كما كشف أنّه تمّ منع عدد من أعماله من العرض، مثل “مطلوق سراحك يا طوير” و”تحجب عليها الشمس” وغيرهما..

احتفاء عالمي

محمد حسن فنان احتفت بموسيقاه وألحانه كبرى القاعات الفنية العالمية، على غرار خيمته الفنية سنة 2002 في قاعة “ألبرت هول” بوسط لندن، التي عادة ما تقام فيها حفلات فنيــــــة لكـبار المغـــنين العالميين.

نوال غشام: حسن فنان أصيل بث الفرح بين الناس وخدم تراث بلاده بتميز لا يشك فيه اثنان

ليلتها غنى الصوت الذهبي للأغنية الليبية لأكثر من ساعتين متواصلتين، وسط انسجام تامّ مع الجمهور العربي الّذي انبهر بأغانيه الخالدة كـ”يا ريح هدي” و”طق مقاسه طق العود” و”نا عقلي دليلي”، بل وحتى أغنيته التي كانت موجّهة للأطفال “أرسم شجرة”، كما تفاعل الجمهور مع أغنيته الشهيرة “ليش بطا مرسالك عني”.

هذا الفنان يعيش اليوم عزلة وعزلا فنيّا، على اعتبار أنه أكثر من غنى الأغاني الوطنية في زمن القذافي، ويتجاهل “العازلون” أنه من بين أهم الأصوات الليبية والمغاربية التي أدّت الأغنية العاطفية، وانتشرت أغانيه بين دول المغرب العربي.

بشراسة المدافع عن تاريخ “رمز من رموز الأغنية الليبية بل والعربية”، حسب توصيفها لمحمد حسن، تقول الفنانة التونسية نوال غشام “للأسف الشديد لم يتسنّ لي التعامل مع هذا العملاق الفني، ولو أني أفكّر جديا في تقديم أغنية من أغانيه الخالدة ضمن ألبومي القادم، كنوع من أنواع التكريم البسيط منّي لهذه الفلتة الفنيّة”.وفي تصريح لـ “لعرب”، قالت نوال غشام “أدعو عقلاء ليبيا، وبكل ودّ، إلى فكّ الحصار الفني المُطبق على محمد حسن حتى يعود إلى إبداعاته، فالفنان أقوى من لعنات السّلطة، وحسن مهمته الأولى والأخيرة كأي فنان أصيل، هي بث الفرحة لدى الناس وخدمة تراث بلده، هو ما قدّمه فنّاننا بتميّز لا يشكّ فيه اثنان”.

كما أكّدت أنّ الساسة في مجتمعاتنا العربية عامة، كانوا ومازالوا منذ أمد بعيد، يستثمرون الفنان لصالحهم، إمّا بالترهيب أو بالتّرغيب، رغم أنّ دور الفنان الأساسي هو بثّ الفرح، وكم بثّ حسن أفراحا تجاوزت وطنه لتشمل العالم العربي.

عزل حسن وإيقافه عن الغناء، موقف بحاجة إلى مراجعة من قبل الأوساط الفنية والمجتمع المدني الليبي، أمّا مواقفه السابقة فهي شأن خاص به، وخاص بالظروف غير الطبيعية التي عاشتها ليبيا آنذاك، في ظلّ سياسة الرجل الواحد الّذي كان يمسك كلّ مفاصل الدولة بقبضة من حديد طوال 42 سنة.

17