من يعيد مسار الثورة السورية

السبت 2013/12/14

تشجّع الوضعية المزرية التي تقبع فيها الثورة السورية على ممارسة النقد. أما النقد من داخل الثورة، فيهتم بتحليل تطورها عبر أكثر من ألف يوم، وممكنات المضي بمسار مختلف كلياً أو جزئيا. فيما يهجس النقد من خارج الثورة بالهجوم عليها، وتحقير منتسبيها ومن آمن بحلم التغيير، مع كثير من الرجاء للعودة إلى “ما قبل”.

وجب التمييز إذن، بين نقدٍ ثوري، وآخر عديم الثورية. الأول ينتصب على تربة الواقع الموضوعي الذي هو تربة الثورة، ويلعب دوراً في تطورها أو يكون ضرورياً لتطورها. فيما يتكاثر الثاني في تربة “ما قبل” الثورة شديدة العفونة. لذا، لا يصح حتى تحديده كنقد، فالنقد ليس بنقد إن تعامى عن التغيّرات الكبيرة في الواقع، وعن التطور الموضوعي للأحداث.

وقد جاءت حادثة اختطاف عدد من أبرز الناشطين المدنيين في الغوطة الشرقية (رزان زيتونة، سميرة الخليل، وائل حمادة، ناظم الحمادي) على يد الكتائب الإسلامية المحسوبة على الثورة، لتزوّد النقاد بمادة غنية. إذ اعتبر هؤلاء أن القبول، باستخدام السلاح من أجل إسقاط النظام من جهة، وتبرير الخطاب الإسلامي للمكون العسكري للثورة، هو ما أفسح المجال لاتساع نفوذ الكتائب الإسلامية المسلحة، التي باتت تمارس سلطة مستبدة في مناطق تواجدها.

يمكننا الاتفاق بشدة في توصيف الواقع، فهو بائس إلى حد يثير الإحباط في صفوف المعارضة وفي صفوف السوريين عموما. إذ أن الكتائب الإسلامية التي توحدت في “جبهات” لم تبرع حتى الآن إلا في الصراعات الداخلية وملاحقة الناشطين وتكميم الأفواه، وفرض نمطها في الحياة على عموم السوريين القاطنين في مناطق تواجدها، فيما فشلت أيما فشل في إيقاف تقدم النظام، فضلاً عن إسقاطه.

تكمن المشكلة في أن توصيف الواقع الحالي شيء والوقوف على ما أنتج هذا الواقع شيء آخر. ومن عادة التيار الثاني في النقد الالتزام بحقائق سطحية وإنكار الحقائق الجوهرية. وعليه يصبح سبب الانحدار إلى الواقع الحالي هو سلاح الثورة وخطابها الديني الذي أثقل كاهلها بالمضامين الطائفية، وليس طبيعة كل من النظام السوري وحلفاءه، المولّد للعنف والسلاح والأصولية والطائفية.

من الجيّد جدا أن توازن أي ثورة بين هدم النظام وبناء نظام جديد، وهو ما أتيح إلى حد ما للثورة التونسية والمصرية. إذ أنه ولقصر المرحلة الأولى فيهما، والخاصة بهدم النظام، تمكن التونسيون والمصريون من الشروع في بناء نظام جديد دون انقطاع مع المرحلة الأولى. فيما شهدت الحالة السورية قفزات كبيرة وتحولات نوعية في مرحلة هدم النظام جعلتها مرحلة قائمة بذاتها، مستقلة ومنفصلة عن مرحلة بناء نظام جديد.

صبت المرحلة الأولى، مرحلة الهدم، جحيمها على السوريين، لتبدو المعركة في أذهانهم كمعركة بقاء. وعليه لم يكن من المتوقع أن تعادي جموع السوريين من يتقدم صفوف العمل المسلح، ومن يقدم مساهمة في دحر النظام، حتى لو كانت الكتائب الإسلامية وتنظيم القاعدة من يفعل ذلك.

هل كان ذلك صحيحا؟ تثبت الوقائع كارثية ذاك المسار الذي فرض نفسه على السوريين. ولن تنجح محاولة القول بأن المعارضة شجعت ذلك، وكان عليها إيقاف مد الأصوليين في الثورة، إذ أن المعارضة السورية الهشة هي نتاج غياب الحياة السياسية لعقود وسحق جميع المؤسسات الشعبية. ولو قدّر لها أن تفضح ظاهرة أسلمة الثورة، على مستوى الخطاب، فلن تفلح أبدا في وضع انتقاداتها موضع التنفيذ، وكأن النهر ليواصل جريانه على النحو الذي واصل به.

لكي نبدّل مسار الأحداث جذريا، كان علينا أن نحظى بمعارضة مختلفة كليا، منظمة وعريقة بالصراع السياسي. ولخلق تلك المعارضة، علينا أن نصب اللعنات على هذا الواقع والنظام اللذين أنتجا معارضة سورية على هذا القدر من الهزال والتشرذم. لتحقيق مسار مختلف أكثر إشراقا للثورة، نحتاج نظاما مختلفا ومعارضة مختلفة ومحيطا إقليميا مختلفا. لذا لا يبدو من المناسب توجيه الاتهام للمعارضة السورية رغم هزالها وفسادها بالمسؤولية عن المسار الحالي للثورة، فيما هي نتاج هذا المسار أكثر من كونها فاعلا فيه.

ومن الشائع أن يضيف النقاد شيئا آخر، لا يتصل بتنظيم المعارضة وضعف مؤسساتها وبناها، بل يتهمها كما يتهم جموع الثوار ومنذ اندلاع الثورة بـ”عدم امتلاك رؤية” واندفاعها “الشعبوي” وراء هدف ضبابي هو “إسقاط النظام” دون وجود بديل لهذا النظام. ويساق ذلك كتبرير لمعاداة الأقليات بشكل عام للثورة، إن لم يكن اصطفافها إلى جانب النظام.

يردد ذلك أيضاً دبلوماسيون ومراكز دراسات منذ اندلاع الثورة السورية. ففي تقريرها الأخير عن المعارضة السورية، تقول مجموعة الأزمات الدولية أن مطالب الثورة السورية كانت تعبر عن “الحد الأدنى المشترك المتمثل في سقوط النظام. أما تعريف النظام ووصف ما ينبغي أن يحل محله، فقد كان ولا يزال مصدرا للاختلاف”.

اليوم، ربما يجعل تعدد الكتائب العسكرية وانتعاش الكتائب السلفية، من النظام البديل محل اختلاف بين السوريين. لكن البديل المدني الديمقراطي كان واضحاً منذ اندلاع الثورة، بل حتى قبل اندلاعها من خلال بيانات أصدرها المثقفون السوريون وتعرضوا على إثرها للاعتقال والتنكيل.

لا يعود صمود النظام وتعذّر إسقاطه إلى غياب البديل لدى السوريين، فالبديل النظري كان حاضرا على الدوام، فيما تكفل النظام وحلفاؤه بقوة العنف والشحن الطائفي، في تحطيم البديل العملي المؤسساتي له. واضعين الثورة السورية في مأزق منذ اللحظة الأولى لاندلاعها. وكان عليها أن تختار، بين أن تندلع على هذا النحو وتدخل في المأزق التاريخي المعد لها، أو أن لا تندلع على الإطلاق.


كاتب فلسطيني

8