من يفتح صندوق باندورا الفرنسي؟

فلاسفة يرون أن احتجاجات السترات الصفراء تعكس ضيقا ثقافيا ناجما عن إحساس بالقطيعة بين الشعب والنخب، وتعكس مأزقا اقتصاديا لا ينم عن إدارة حكيمة للبيت المشترك.
الأحد 2019/04/21
أغلب أشكال الصراع الطبقي غير المسيسة كانت الأكثر استعدادا لفرض الدكتاتورية

لم يكن الملاحظون يرون في خروج "السترات الصفراء" إلى العلن أكثر من مظاهرات تمّ تدبيرها عبر المواقع الاجتماعية احتجاجا على الترفيع في أسعار المحروقات، ولكن اتساع رقعة تلك المظاهرات وتزايد حجم المساهمين فيها وتنوع شرائحهم وتعدد مطالبهم حولتها إلى ما يشبه الثورة على النظام القائم، خصوصا بعد تدخل عدة أطراف سياسية ونقابية، فضلا عن طابع العنف الذي اتسمت به منذ حلقتها الثانية، بين "المكسّرين" الذين ينتمون في الغالب إلى الأحزاب المتطرفة يمينا ويسارا، وشباب الضواحي الناقم على النظام أيا ما تكن أيديولوجيته من جهة، وبين النظام من جهة أخرى. هذا النظام الذي اختار التصعيد ومواجهة العنف بالعنف، بل والإفراط في استعماله حتى ضد المسالمين ورجال الإعلام الذين أصيب عشرات منهم إصابات بليغة. ومنذ ذلك التاريخ لا تزال" السترات الصفراء" حديث المحللين على مدار اليوم.

هذه التظاهرة، التي وصفها بعضهم بشرارة الربيع الغربي، بعد أن وجدت صداها في بلجيكا وألمانيا وسواهما عبر تحركات مماثلة، شكلت عودة الشعب إلى الواجهة، لينكر على أقلية نخبوية تقرير مصيره بدلا عنه، وكشفت عن عمق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وحتى القيمية التي يعيشها الفرنسيون منذ أجيال.

ولئن فاجأت الجميع بسرعة انتشارها وتعدد مشارب المنخرطين فيها، فإنها لم تفاجئ من دأبوا على متابعة ما يجدّ في الساحة الفرنسية والعالمية، ونعني بهم علماء الاجتماع والمؤرخين والمفكرين.   

تنفي الفيلسوفة شنطال ديلصول، مديرة معهد حنة أرندت بجامعة مارن لافالي، أن يكون الاحتجاج الحالي ثورة جياع، ولو أن المطالب المالية (كالتخفيض في الضرائب وتحسين مستوى المعيشة بعامة) لعبت دورا أساسا في انطلاق شرارته، ذلك أن تنوع المتظاهرين واختلاف مطالبهم، التي وردت أحيانا في شكل إنذارات، وإصرار حركتهم واستمرارها، تعكس كلها ضيقا عميقا قادما من بعيد، ضيقا ثقافيا ناجما عن إحساس بالقطيعة بين الشعب والنخبة. 

لا جدال أن كل مجتمع يتألف من نخبة وشعب، وأن من غايات السياسة المحافظة على الانسجام بين الطرفين، انسجاما يقوم على ثقافة مشتركة تجعلهما يعيشان في تفاهم برغم التفاوت. هذه الثقافة المشتركة انتفت اليوم، وقد صار الاختلاف في جوهره أيديولوجيا، حيث النخبة كوسموبولية ما بعد حداثية فيما الشعب محافظ متجذر.

هذا 'العنف الذي يستفيد منه الجميع باستثناء الضحايا' كما يقول الفيلسوف فريديريك غرو، لكونه أدى وظيفة استراتيجية وسياسية استفادت منها الحكومة أولا، لأن الاحتجاج يسمح لها بوصف كل إعلان جديد عن تنظيم مظاهرة بأنه عمل غير مسؤول

 ولو لخصنا المشهد لقلنا إن النخبة منشغلة بنهاية العالم، بينما الشعب منشغل بنهاية الشهر. والمشكل أن النخبة هي التي تقرر كل شيء، دون الرجوع إلى الشعب: تريد أن تفرض على الشعب بعضا من طوباوية العولمة كمبدأ الوقاية والصحة الجيدة.

ولا يمكن في نظر ديلصول إجراء إصلاحات لتميكن المناطق من استقلالية ذاتية، على غرار الكانتونات في سويسرا، لأن فرنسا يعقوبية، ونخبها ليست ديمقراطية. 

وفي رأيها أن فرنسا منذورة لثورات متناوبة، شأن أي شعب ناضج، يعامَلُ على أنه غير ناضج، مثلما هي منذورة لصدامات بين شعب متجذر ونخبة معولمة.

وفي هذا تأكيد على الانتقادات التي ما انفكت توجه إلى الرئيس ماكرون، متهمة إياه بالانحياز إلى من أوصلوه إلى السلطة، أي رجال المال والأعمال، فكانت سياسته في مجملها إرضاء لهم، وتحقيقا لرغباتهم، وهو ما ساهم في تقليص شعبيته وشعبية رئيس حكومته، لأنهما عادة ما يتكئان على النخب. يقول الفيلسوف بيير زاوي الأستاذ المحاضر بجامعة ديدرو بباريس: "لسنا في حاجة إلى قراءة ماكيافيلي كي نفهم أن "الأمير" الذي يعتمد باستمرار على الكبار، ولا يعتمد أبدا على الشعب، يعرض نفسه لأخطار كبرى. ولسنا في حاجة إلى ماركس كي نعرف أن الصراع الطبقي لا يُسنّ ولا يُلغى، بل قد يأخذ أكثر الأشكال ابتكارا وجدة، كما هي الحال مع "السترات الصفراء" التي ابتدع أصحابها شكلا جديدا من أشكال المقاومة، بتحويل مظاهر البؤس والتهميش التي كانوا يحيونها إلى قوة لفرض الذات على الآخر قولا وفعلا، واجتياح الفضاء أفقيا وعموديا، واحتلال شتى المواقع داخل المدن وخارجها."

أما عالم الاجتماع جيرالد برونر، فقد لاحظ تماثل حركة "السترات الصفراء" مع الإنترنت، من حيث هيكلته وتعدد نقاط تحركه على الميدان، فقد ألقوا شبكة استولت على رقعة كبيرة من التراب الفرنسي، ومن حيث اقتناعه بنظرية المؤامرة لا سيما بعد عملية ستراسبورغ في 11 ديسمبر 2018، إذ رأوا فيها محاولة من النظام لتحويل الأنظار عن مأزقه، وعجزه عن الخروج من الأزمة. ثم ركز على ما بعد النزاع، ماذا يتبقى من أسابيع من الهياج الإعلامي والسياسي، والمواقف المتناقضة من مطالب السترات الصفراء التي قسمت المجتمع الفرنسي؟ ففي خضم صراع الأحزاب على تقاسم مكاسب هذه الثورة الاجتماعية، تبدو الشعبوية اليمينية أنشط من سواها.

التظاهرات ناجمة عن سياسة تكنوقراطية
التظاهرات ناجمة عن سياسة تكنوقراطية

وفي رأيه أن مشكلة سياسة الكارثة، أنها لعبة تمارس بعدد من اللاعبين، وفي النهاية يكون اليمين المتطرف هو المنتصر. إن السردية التي ترافق هذه الأحداث تركز على خيانة الشعب، وهذا من الكلاسيكيات في الديمقراطيات الغربية، حيث يزعم كل طرف أنه يريد ممارسة سياسة تعيد الشعور بالانسجام إلى أمة تفككت فئاتها الاجتماعية، وحتى طوبولوجيا ترابها.

ليس مؤكدا أن الشفافية أو الديمقراطية المباشرة، تلك الحلول التي ترد عفو الخاطر، ذات جدوى، ومن ثم لا بد من تحديد إبلاغ حيّزي سياسي proxémie politique (مجمل الملاحظات والنظريات الذي يستنبطها الإنسان من الفضاء بوصفه منتوجا ثقافيا مخصوصا، وهو مصطلح صاغه الأنثروبولويجي الأمريكي إدوراد تويتشيل هال) لتعيين المسافة الدنيا التي ينبغي أن تحافظ عليها الهيئات المتفاعلة فيما بينها، وهي مسافة رمزية أكثر منها فضائية يمكن تقييمها بنوعية المعلومات بين تلك الهيئات الضرورية للحياة الديمقراطية أي بين المنتخَبين والمنتخِبين، وإلا فسوف يحدث ما لا تحمد عقباه كما هي الحال اليوم، حيث صارت التظاهرات مشفوعة بعنف غير مسبوق.

هذا "العنف الذي يستفيد منه الجميع باستثناء الضحايا" كما يقول الفيلسوف فريديريك غرو، لكونه أدى وظيفة استراتيجية وسياسية استفادت منها الحكومة أولا، لأن الاحتجاج يسمح لها بوصف كل إعلان جديد عن تنظيم مظاهرة بأنه عمل غير مسؤول، ما دامت المظاهرة قد تحولت إلى تهديد موضوعي بالحرب، برغم نوايا المنظمين السلمية.

واستفادت منها الحركة ثانيا، لأن العنف الذي ارتكبه المتطرفون والمكسّرون يبرئ المتظاهرين، ويتيح لهم في الوقت ذاته الانتفاع بآثاره السياسية. واستفادت منه وسائل الإعلام أخيرا، لا سيما قنوات الأخبار المسترسلة، إذ دأبت كل يوم سبت على تنظيم "نشرات خاصة" لمعاينة الكارثة عن كثب. 

النظام اختار التصعيد ومواجهة العنف بالعنف
النظام الذي اختار التصعيد ومواجهة العنف بالعنف

ولئن تساءل المحللون عن الطبيعة السياسية والمصدر الاجتماعي والتراتيب الاستراتيجية للسترات الصفراء، فإن فريديريك غرو يتساءل عن وضعية العنف في ما بدا للناس أنها حركة غير مسبوقة.  فقد كان أشبه بحرب عصابات حرص كل طرف فيها على استعمال ما يتوافر من "سلاح" لإلحاق أكبر قدر من الأذى بالآخر، حتى أعوان الأمن، ولو أنه حيازتهم حق "العنف الشرعي" جعل المحللين يقدمون عنفهم كعمل دفاعي لحماية الأنفس والأرواح.  هذا العنف لا يقر بمسؤوليته أحد، ولو أنهم يبحثون كلهم عن المكاسب التي تحدد مشهدا سياسيا معقدا ومعتكرا قد يستمر طويلا.

بيد أن فرنسيس وولف، أستاذ الفلسفة بدار المعلمين العليا بباريس، ينفي عن الحركة طابعها السياسي، ففي رأيه أنها مؤلفة من فرنسا الضواحي، تلك التي ترتاد المراكز التجارية، والتي تكدح وتكسب قليلا، ليست فقيرة بالشكل الذي يهم خطط مقاومة الفقر، ولا غنية بشكل يسمح لها بالعيش الكريم، تلك التي لم تتظاهر قط مع الموظفين قررت ذات يوم أن تعبر عن غضبها ضد الزيادة في أسعار الوقود بسد مفترقات الطرق، ومعابر الأوتوستراد، ومداخل المدن، قبل أن تقتحم الشوارع والميادين. اليمين صفق إذ رأى فيها ثورة ضريبية. اليسار اقتفى الخطى، معتبرا ذلك عدالة اجتماعية. اليمين المتطرف رأى فيها صحوة "البيض البسطاء" الذين أهملتهم العولمة. اليسار المتطرف شخص التمرد القادم.

وهكذا تدخل الجميع في الحركة ليذكوا نارها، ووجدوا فيها ما يلبي حاجتهم لأن المطالب كانت متحولة ومتناقضة، والحال أنهم كلهم مخطئون، كما يقول. لأن الطبيعة العميقة لهذه الحركة، المرتبطة بالمرحلة، مناهضة للسياسة، إذ يحدوها سلطان "حقوق ذاتية" لا حد لها ولا مقاس.

صراع الأحزاب على تقاسم مكاسب هذه الثورة الاجتماعية
صراع الأحزاب على تقاسم مكاسب هذه الثورة الاجتماعية

ومناهضة للاشتراكية، لكونها ثورة طبقية لا تحمل وعيا بالنظام الطبقي ولوجودها خارج إطار الإنتاج.

 وهي أيضا مناهضة للتراتبية، لكونها رهينة المواقع الاجتماعية وأفقيتها المغلوطة التي توهم بالمساواة فيما هي تنشر خطاب حقد وتروج للأخبار الزائفة ونظريات المؤامرة... والخوف أن تكون الأولى في سلسلة ثورة أحادية، خارج أي إطار مؤسساتي، اجتماعيا كان أو سياسيا، لا مدبر يخطط لاشتعالها غير قوة شبكات التواصل الاجتماعية، ما يدخل البلاد في مرحلة من الحرب الأهلية الباردة، تتسم بتأجيج المواقف اللاديمقراطية باسم الحرص على مزيد من الديمقراطية والشفافية والإنصات لأنين الشعب، ما يفتح باب الشعبوية على مصراعيه، كما حدث منذ وقت قريب في إيطاليا مع حركة "النجوم الخمس".

أما كورين بيلّوشون، أستاذة الفلسفة بجامعة باريس الشرقية - مارن لافالي، فقد اعتبرت أن تلك التظاهرات ناجمة عن سياسة تكنوقراطية، تم سنّها دون مشاورات أو مراعاة للظروف الجغرافية والاجتماعية، وهي تظاهرات تعكس مأزق اقتصاد لا ينم عن إدارة حكيمة للبيت المشترك، وإنما حوكمة عن طريق الأرقام. كذلك البيئة التي تأخذ شكل تأديب عندما تنحصر في إجراءات قسرية. وفي رأيها أن الإيكولوجيا، التي ينظر إليها كحكمة للإقامة على الأرض والتعايش مع الآخرين لا تنحصر في بعدها البيئي، بل تتمفصل أيضا مع إيكولوجيا اجتماعية، ذات صلة بالتوزيع العادل للثروات وتكاليف التلوث وإعادة تنظيم العمل وأنماط الإنتاج. وتُعنى أيضا بذاتيتنا، فهي لا تنفصل عن تحوير جذري للكيفية التي نستهلك بها، ونتواصل بها مع غيرنا. إن العمل بتلك العناصر ضروري لجعل الانتقال الإيكولوجي والتضامني ممكنا، من أجل تنمية عادلة حتى يشعر كل فرد أن له مكانا في العالم.

13