من يقتل من في ساحات السودان

الحركة الإسلامية التي احتمت بنظام البشير وتربى غالبية كوادرها في أحضان مؤسساته الرسمية تدرك أن المرحلة المقبلة قاسية، ولن تجدي معها الليونة نفعا، بعدما ثبت أن الخطاب السياسي الرسمي والشعبي موحد حيالها، وتعتزم ممارسة المزيد من العنف الممنهج.
الاثنين 2019/08/05
المسار السياسي لا يزال مليئا بالتحديات

كنا نعتقد، حتى وقت قريب، أن القتل في السودان قاصر على المناطق الملتهبة والمهمشة في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، بسبب الاشتباكات بين قوات حكومية وأخرى تابعة لحركات مسلحة، حتى سقط الرئيس عمر حسن البشير في أبريل الماضي، وبدأت تظهر ملامح جديدة للعنف، وقتل وجرح عشرات المواطنين في الخرطوم وعطبرة والأُبيّض وغيرهم، وبدأ الحديث يتواتر عن عدم استبعاد وقوع المزيد من الضحايا.

أشارت أصابع الاتهام إلى تورط قوات الدعم السريع التابعة للجيش السوداني في أحداث فض الاعتصام أمام مقر وزارة الدفاع في يونيو الماضي، ومدينة الأُبيّض بشمال كردفان في يوليو المنقضي، وبدأ المجلس العسكري الانتقالي يتخذ حزمة إجراءات عملية ضد من ثبت تورطهم في العنف من منتسبي الدعم السريع وغيرها، في محاولة لتفويت الفرصة على من يريدون شق جيوب المؤسسة الأمنية وإغراقها في دوامات وقضايا جانبية.

تصاعدت بورصة التكهنات بشأن إقدام ما يسمى بـ”كتائب الظل” المختلفة، المنضوية تحت اللافتة العريضة للحركة الإسلامية، على عمليات تقتيل متعمدة، أملا في إحداث فتنة بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير وتعطيل المفاوضات بينهما، وبالتالي تخريب العملية السياسية برمتها.

وبعد نجاح الفريقين في التوصل إلى اتفاق حول الإعلان السياسي، ثم التفاهم الكامل حول الإعلان الدستوري، مرجح أن يتزايد معدل القتل ويدخل منحنى أشد خطورة في الفترة المقبلة، وقد يتسع النشاط المسلح الذي تقوم به القوى الرافضة للتقارب بين الجانبين، بما ينفي عن السودانيين صفة عدم اللجوء إلى العنف المادي عند تناحرهم السياسي، ويؤكد أنهم مثل بقية الشعوب يتعاركون في أي مكان، ولن يكون بلدهم استثناء في عدم اللجوء إلى العنف.

ذكرني هذا الاستنتاج بكلام سابق للكاتب السوداني الحاج وراق منذ سنوات وفي قمة توهج البشير، قال فيه إن “السودان يكاد يكون البلد الوحيد الذي يخلو من الهجمات الانتحارية والتفجيرات بالسيارات المفخخة، ليس لأن أهله مسالمون بالضرورة، لكن لأن من يقومون بتلك الأعمال موجودون في الحكم.. دعهم يفقدون السلطة وسترى بأم عينيك العجب العجاب”.

يبدو أن نبوءة الحاج وراق تتحقق تدريجيا مع ارتفاع حرارة العنف في أماكن لم تألفها من قبل، وعقب صدور تصريحات متفرقة من قيادات إسلامية تشير إليه بوضوح كخيار أصيل في تحركاتها، ويتم اعتماده كورقة عسكرية، إذا فقدت جميع الأوراق السياسية.

منذ أيام قليلة خرج علينا صديق محمد عثمان القيادي بحزب المؤتمر الشعبي، الذي أسسه الراحل حسن الترابي، بتصريحات لقناة الجزيرة القطرية صبت في الاتجاه السابق، مفادها أن من يقتل الناس في السودان قوى اجتماعية تطورت خلال ثلاثين عاما، ولا يريد تحالف الحرية والتغيير الاعتراف بها، ويجب أن يفاوضها بدلا من مفاوضاته مع المجلس العسكري “ليتوقف القتل أو يستمر مرارا وتكرارا”.

ينطوي هذا الاعتراف على رغبة أصيلة لبدء مرحلة غامضة من العنف، وربما تزايدها بمعرفة هذه القوى. فالمفاوضات بين الطرفين عازمة على حل العقد السياسية والأمنية بينهما، والتفاهم لأجل تسوية الخلافات في الملفات المحورية والهامشية، وبدء مرحلة انتقالية حقيقية من دون اعتبار أو مكان لأي من القوى والأحزاب التي عملت بجوار البشير وتورطت في أشكال متباينة من الفساد بل وضرورة محاسبتها، وهو ما قاد إلى ارتفاع معدل الهواجس من مغبة التقدم الذي تحرزه لجنة الوساطة الأفريقية- الإثيوبية المشتركة.

لذلك على المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير أن يأخذا كلام القيادات الإسلامية المتنوعة على محمل الجد، فهو يفسر جانبا من الغموض الذي اكتنف بعض حوادث العنف المفاجئة، ويشي بعدم توقفها لاحقا، بل لن تكون قاصرة على منطقة معينة، فالتنقل السريع من مكان لآخر يوحي بأن من يقومون بالتقتيل جهات لديها إمكانيات مسلحة كبيرة، ولها أهداف سياسية محددة، وتريد إرغام القوى الرئيسية المتحكمة في مفاصل القرار، في الداخل والخارج، على مراعاة التوازنات القديمة في السودان، وأي تجاهل لها سوف يؤدي إلى دفع أثمان باهظة.

تتسق هذه المعادلة مع الطريقة التي تتحكم في الكثير من توجهات وتصورات وتصرفات قوى إسلامية متعددة، اختبرت في دول مثل مصر وليبيا وسوريا وتونس، فعندما يتصدر هؤلاء المشهد في السلطة أو بالقرب منها، أو حتى يكونوا مستفيدين من النظام الحاكم تتراجع رؤيتهم للعنف، وتتصاعد عندما يجدون فجوة بينهم وبين من يحكمون، وتتسع وتتمدد وتتغول كلما يتم إقصاؤهم، وثمة شواهد كثيرة في المنطقة تثبت صواب هذا التقدير.

يواجه السودان مصيرا قاتما، لأن من ابتعدوا عن السلطة بعد قرار عزل البشير عناصر تملك الكثير من المال والسلاح والتنظيم والرؤى الخفية، واستقبلوا شخصيات إسلامية متطرفة وشديدة الخطورة من دول مجاورة، ولم يتورعوا عن فتح أراضي السودان كملاذ آمن لها، ونقطة انطلاق مركزية، في وقت كانت فيه مُطارَدة من حكوماتها.

ولم تستجب الخرطوم آنذاك لغالبية النداءات المصرية مثلا، ويمكن أن تلقى هذه المطالبات صدى إيجابيا من الحكومة الجديدة، وقبل مواجهة مأزق من هذا النوع تريد الحركة الإسلامية قلب الطاولة على الجميع وتحذيرهم من نتائج تسليم المتطرفين، ما لم تتمكن الحركة من الحصول على ضمانات تجنبها الخسائر المتوقعة.

يدرك المجلس العسكري خطورة الدور الذي تلعبه كتائب الظل وروافدها المسلحة الصغيرة، والتداعيات التي تنطوي عليها عمليات العنف في صفوف الرأي العام الذي درج على تحميل قوات الدعم السريع مسؤولية الأحداث التي وقعت خلال الأشهر الماضية، ويقوم المجلس بعملية تقويض منظمة للأذرع المسلحة التابعة للحركة الإسلامية، والقيادات المحسوبة عليها في المؤسسة العسكرية بعد أربع محاولات انقلابية تورطت فيها عناصر منتمية إليها.

ليس مهما من يقتل من في ساحات السودان، أو معرفة أسماء وهوية الضحايا، لكن من المهم سقوطهم في ميادين مختلفة، فإسالة الدماء في السودان كفيلة بإثارة نعرات إنسانية ومخاوف وقلق وعدم ارتياح للجهة الحاكمة، واتهامها بالتواطؤ ووضعها تحت ضغوط سافرة، بذريعة عدم القدرة على حفظ الأمن وتأليب الناس عليها، وهو غاية المراد كي يقتنع هؤلاء أنهم ارتكبوا خطأ كبيرا بالتفكير في إسقاط البشير، فما بالك بمحاكمته وأنصاره والزج بهم في غياهب السجون.

تدرك الحركة الإسلامية التي احتمت بنظام البشير وتربى غالبية كوادرها في أحضان مؤسساته الرسمية أن المرحلة المقبلة قاسية، ولن تجدي معها الليونة نفعا، بعدما ثبت أن الخطاب السياسي الرسمي والشعبي موحد حيالها، وتعتزم ممارسة المزيد من العنف الممنهج، والاستقواء بعناصر متشددة تعيش في السودان، وتجيد إتقان فنون القتال وألاعيبه، من سيارات مفخخة وعبوات ناسفة وقنص. الأمر الذي يفرض على المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير الانتباه إلى أن المسار السياسي لا يزال مليئا بالتحديات، ويمكن أن تفرز البيئة العامة أنماطا متباينة من العنف.

8