من يقرأ الأدب

الثلاثاء 2014/10/07

نعرف أن نسبة القراءة في أوطاننا ضعيفة، وأن الأسباب تعزى عادة إلى ضعف القدرة الشرائية وارتفاع سعر الكتاب وخاصة استشراء الأمية، ولكن من النادر أن نتوقف عند تلك النسبة لنعرف ممن تتكون، ونتلمس أسبابا أخرى غير التي رسخت في البال.

من ذلك مثلا أن النخب لا تقرأ إلا ما يدخل في مجال تخصصها، وقلّ أن نجد طبيبا أو محاميا أو مهندسا أو طيّارا أو عالما أو رجل سياسة يقرأ القصص والروايات والدواوين الشعرية. لا يستثنى من ذلك حتى أولئك الذين يشتغلون بالعلوم الإنسانية، حتى كادت قراءة الأدب تنحصر في خريجي شعبة اللغة وآدابها.

وهذه سمة يكاد يختص بها العرب دون سواهم. فالعلماء في فرنسا مثلا أيا كان تخصصهم يقبلون على قراءة الأدب قديمه وحديثه، ولو جالست جاك لوغوف المؤرخ المتخصص في العصر الوسيط لحدثك عن تولستوي وفولتير ورامبو حديثه عن أصل الأجناس والنشوء والارتقاء ووقائع التاريخ وأبطاله. ولو استمعت إلى إدغار موران لوجدته ملمّا بالتيارات الأدبية وأعلامها إلمامه بالفلسفة ورموزها.

بل إن منهم من جمع بين الطب والعمل الدبلوماسي والأدب مثل جان كريستوف روفّان الذي حازت إحدى رواياته جائزة غونكور، أو فرنسوا جاكوب عالم البيولوجيا المتوج بجائزة نوبل للطب، الذي ألف كتبا في الفكر والأدب والفنون، أو جورج بومبيدو الرئيس الأسبق الذي وضع أنطولوجيا هامة عن الشعر الفرنسي، ولا يقتصر اطلاعهم على ما كرسته الأعوام، بل هم يتابعون أيضا كل ما يجدّ في الساحة موضوعا أو منقولا عن اللغات الأخرى.

خذ مثلا بيير فيرّاغو الذي كنّا قدّمنا هنا كتابه “نشأة الإرهاب” (العرب - العدد: 9665 - في 31 /08 /2014 – ص13)، فهو يدرّس التاريخ، ويؤلف فيه أعمالا جليلة، ولكن تخصصه لا يمنعه من ولوج حقول معرفية أخرى. في ختام حديث أجرته معه إحدى القنوات التلفزيونية، سأله المذيع عن عناوين خمسة كتب حديثة ينصح المشاهدين بقراءتها، فأجاب دون تردد: “دموع المولى الأفغاني”، رسوم لكامبيوزابوسوبورغو عن تشابك الرهانات في أفغانستان. “هنا” مجموعة من النصوص القصيرة حول الحياة في الريف، مصوغة بأسلوب شائق ونفَس شاعري، لكريستين فان آكر.

و”لا ربيع لسوريا” لفرنسوا بورغا وبرونو باولي لفهم ما يجري في بلاد الشام. “أندرغرواند” للياباني هاروكوموراكامي حول الاعتداءات العنيفة التي هزّت طوكيو والأمة اليابانية وكانت منطلقا لثلاثيته الشهيرة “1Q84”. و”سوابق المريضة ليدي ستار” لكلوتزر حول مستقبل الإرهاب. أي أن الرجل لا يكتفي بحقله المعرفي حتى في زمن التخصص الذي نعيشه.


كاتب من تونس مقيم بباريس

15