من يقرأ من

الإغراءات الكبيرة التي أصبحت تقدمها الكتابة الروائية للكثير من الكتاب، لا تنبع من داخل مغامرة الكتابة السردية، بقدر ما تتأتى من عوامل تقع خارج هذه المغامرة.
الثلاثاء 2018/03/27
الجوائز الروائية تستقطب العديد من المشاركات

قبل عقدين من الزمن كان يمكن للقارئ العربي أن يتعرّف إلى أكثر الأسماء الروائية العربية، ويتابع أهم أعمالها التي تصدر. لكن مع الفورة الروائية التي نعيش فصولها أصبح هذا القارئ عاجزا عن معرفة ما تقدمه هذه الفورة من أسماء أو متابعة أعمالها. يطرح هذا الواقع الجديد جملة من الأسئلة الهامة، لعل أهمها أين كانت تختبئ كل هذه المواهب الروائية، وما هي أسباب ظهورها المفاجئ، لا سيما بالنسبة إلى العديد من الشعراء الذين انتبهوا فجأة إلى هذه الموهبة الكامنة عندهم.

إن الإغراءات الكبيرة التي أصبحت تقدمها الكتابة الروائية للكثير من الكتاب، لا تنبع من داخل مغامرة الكتابة السردية، بقدر ما تتأتى من عوامل تقع خارج هذه المغامرة. أول هذه الإغراءات أصبح يكمن في الاحتفاء الكبير بالرواية، كما يتجلى في جوائز الرواية المجزية المخصصة لها سنويا، وما يرافق صدور نتائجها من ضجيج إعلامي ومعارك فيسبوكية، تسهم في الترويج لأصحاب التجارب الفائزة بقصد أو بغير قصد.

لكن الأزمة التي تعاني منها القراءة عربيا مع استفحال الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، تجعل قراءة هذا الكمّ من الأعمال الروائية من المستحيل، ولذلك يتجدد السؤال عن الأسباب التي تغري الكتاب بخوض هذه المغامرة، خاصة وأن أغلب ما ينشر يكون على نفقة أصحابها، إضافة إلى إدراك الجميع بأن هذا الاهتمام بالرواية من قبل أصحاب هذه الجوائز، ليس أكثر من دعاية ثقافية أو ظاهرة إعلامية تنتهي بانتهاء موسمها.

لقد استطاعت هذه الجوائز، على الرغم مما يمكن أن يقال عنها، أن تستقطب المزيد من المشاركات، بل إن بعض الأسماء المكرسة، لا تتوقف عن المشاركة سنويا بهذه الجوائز، وكأنها في انتظار دائم للفوز بها، بينما لا يتوقف من سبق وفاز بالجائزة عن مزاحمة الكتاب الآخرين للفوز بالجوائز الأخرى.

الكاتب هنا إما أنه يحاول تكريس حضوره في صدارة المشهد، وإما أنه يطمع بالمردود المجزي إلى الجائزة. أما الأسماء التي لا تملّ من المشاركة السنوية، فهي إن لم تفز بالجائزة تبقي على حضورها الإعلامي، وتستفيد من الترويج الذي تتيحه لأعمالها.

إن هذه المسألة تعيدنا إلى أزمة القراءة ومحدودية الانتشار التي تعاني منها حتى الأعمال الروائية المعروفة، في حين أن الكتاب الجدد الذين يجربون حظهم مع هذه الجوائز، فإنه يكفيهم أن تظهر أسماؤهم مع الأسماء المكرسة، لينالوا من الظهور ما لم يكن ممكنا سابقا.

بقي أن نقول إن المستفيد الأكبر هو دور النشر، سواء من خلال الدعاية لمنشوراتها أو التشجيع على النشر، لا سيما وأنه يحق لها أن ترشح ما تريد من الروايات.

15