من يكتب للطفل وماذا يكتب؟

الأحد 2017/05/28

تشظى الاهتمام بالكتابة للطفل على أكثر من نحو، فقد أدركته جماعاتٌ ظنتها أنها مُنتج الكتابة الأيسر، سواء في إعادة قَصّ السرد المباشر للحكاية أو ترتيب وتلفيق النَّظْم الساذَج للأفكار فيما يُسمّى تجاوزا شعرًا أو قصائد.

وممّا ساهم في إشاعة هذا الاستسهال المُخِل مسألتان، إفساح مساحات النشر لهؤلاء، إما على شكل مستقل في كتب فقيرة الخيال المدوّن، تعالجها أحيانا مهارة الرسامين، في ظل غياب المؤهلين الناضجين الواعين بحاجة الطفل العربي لزادٍ يناسب مرجعياته ويشحذ خياله.

أما المسألة الثانية فهي غياب الوعي بالفارق بين ما هو نص إبداعي وآخر تربوي، بين ما هو كتاب للحياة، وآخر للمدرسة، بين ما هو كتاب يخاطب الطفل وآخر يستدعي الراعي للطفل.

لكن الساحة الخاوية إلا من هؤلاء المتكسّبين من فراغ المجال، بدأت تفتح ذراعيها لكتيبةٍ واعيةٍ بمهامها الإبداعية والإنسانية والوطنية، كما ظهر في كتابات ورسوم وأفكار وتصميمات الجيل المجدّد لخطاب الطفل العربي مثل الفنانين محيي الدين اللباد وبهجت عثمان وإيهاب وهاني المصري، وقد بدأت مشروعاتهم وتواكبت مع مجلتين صدرتا بين أبوظبي (ماجد)، والكويت (العربي الصغير)، قبل أن تنطلق تلك المشروعات الفذة والرائدة في إصدارات مستقلة -كمجموعات مؤلفات اللباد عن دار الفتى العربي- وهي التي نالت مكانا ومكانة بين شرائح قرائية وجوائز مرموقة، وخرجت بكتاب الطفل من أسر الثنائية المتكررة، فإما حكاية أو شعر، لتخاطب فكرا خلاقا لدى الطفل عن الحياة والعالم والإنسان والوطن.

لكن هذا التوهج والحضور المكرَّم بما يستحق، منح أصواتا غير مبدعة الفرصة مجددا لدخول المجال برفد غزير يكتفي بتخمته وإنتاجه المجاني، خاصة بعد أن تكاثرت المجلات، فلم يعد هناك من يرصد ويرشّح ويصطفي أو يستبعد.

وزاد من غواية الإغراء تلك الجوائز المتكاثرة التي دعت من خارج الأجيال الكاتبة، المتخصصة ذات التاريخ، تلك الأقلام الجديدة أو المجرّبة لدخول مضمار التسابق على حساب المحتوى وتجويده. وقد لاح أن هذه الجوائز بفكرها الكلاسيكي الصارم ترجّح ما هو ماض وتاريخي، على ما هو مستطلع ومستقبلي وتقدمي.

هذه الإطلالة السريعة ضرورية لنقرأ المشهد اليوم الذي يقدمه المبدعون للأدب المكتوب للطفل. فهناك تيار يرى أن من واجبه الضروري ربط الطفل العربي بتاريخه الذهبي، سواء بتصوير أعلامه الأشهر في تماهٍ بين ما هو عربي وإسلامي وبين ما هو منجز حضاري، وآخر يستقصي سير “الفاتحين”.

وهناك من يرى أن الغد -وحده- هو عالمنا، مثلما أميل إلى الكتابات التي تضعنا في قلب العالم الذي ننتمي إليه، رغم فرادتنا، ولا نستطيع العيش دون الاحتفاظ بإنسانيتنا المشتركة مع أبناء الكوكب الأرضي.

ولعل كتابات هدى الشوا القدّومي تقدم ذلك النموذج المستلهَم من التاريخ دون أن يسقط في فخاخ المباشرة أو الارتهان للماضي أو الزهوّ المزيّف، فتأخذ -مثالاـ في كتابها “دعوى الحيوان ضد الإنسان عند ملك الجان” مقولات إخوان الصفا التي تعيد بشكل عصري شحذ المخيلة لتخرج من عباءة القرن العاشر الميلادي منطلقة للعصر الحالي وهي تؤجج خيال القارئ الصبي.

رسام هذه المجموعة نفسها الفنان حسن موسى هو الذي هاجر من السودان ليستوطن فرنسا، وليقدم أيضا قصصه للقارئ الناشئ، خاصة حين يحكي له قصة الجدة وعنزتها مع صندوق النقد الدولي المتعسف والجاهل، في حسّ ساخر مؤلم يخاطب فيه الصوت الناضج والنقدي في آن.

ولعل سطوة السينما المغامرة في المستقبل هي التي سبقت الكتابة العربية العلمية المخصصة للطفل، لذلك جاءت المؤلفات اللاحقة متقاطعة مع هذه الأفلام، وكأن الخيال لا يستطيع أن يتجاوز ما تم إنتاجه للطفل الغربي، فيقلده، وهو ما نراه في مسلسلات كتبت للطفل، سواء في المجلات أو على الشاشة الصغيرة تقلد على نحو كبير متون هذه الأفلام العلمية بأدواتها التكنولوجية، وربما -كذلك- بشخصياتها النمطية.

شاعر وكاتب من مصر

15