من يملك الطيف الترددي

الأربعاء 2016/02/10

منذ سنوات وهيئة الإعلام والاتصالات التي تأسست عام 2004 وفقا للقرار رقم 65 الصادر عن الحاكم المدني الأميركي السابق بول بريمر لتتولى تنظيم تراخيص البث التلفزيوني والإذاعي في العراق تبتكر أنظمة وسياقات وقرارات تطبقها على وسائل الإعلام دون سابق إنذار ودون مراعاة لتطور وسائل الإعلام وتقنياته في العالم، ومن ذلك مثلا فرض رقابة على وسائل الإعلام المرئي والمسموع، بينما لا توجد مثل تلك الرقابة على الصحافة المطبوعة ولا على المواقع الإلكترونية!

وأغرب ما ابتكرته الهيئة هو ما أسمته بـ”الطيف الترددي” وهو شيء لا تملكه الهيئة ولا تحتاج إليه الفضائيات وقد أصرت على فرض ثمنه على الفضائيات بمبالغ طائلة تراوحت بين ما يعادل 180 ألفا إلى مليون دولار.

وقبل الخوض في الإشكالات التي خلقها هذا البيع المجحف والمرهق ماليا لوسائل الإعلام الفضائي، لنتعرّف بإيجاز عن ماهية الطيف الترددي ومن يملكه حقا.

هو حزمة من الترددات الكهرومغناطيسية للاتصالات الراديوية تستخدم في المجالات الحكومية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والأمنية، والمدنية والملاحة البحرية، والاتصالات المختلفة، والخدمات الإذاعية. ونظرا لأن الترددات اللاسلكية لا تحدها الحدود الجغرافية للدول، فإن أنشطة الطيف الترددي تتسم بالعالمية وتتم إدارتها وفقا لأنظمة الراديو الدولية الصادرة عن الاتحاد الدولي للاتصالات، الذي ينسق استخدامات الطيف الترددي على المستويين المحلي والدولي ويحدد لكل دولة حصتها من تلك الترددات. ويتم توزيع موجات الطيف الترددي على مستخدميه محليا وفقا للقوانين والمعايير التي حددها الاتحاد الدولي من خلال مجموعة من الإجراءات الفنية والإدارية لضمان الأداء المنظم والفعال للخدمات اللاسلكية المختلفة في دولة ما، دون حدوث تداخلات ضارة داخل الدولة الواحدة وبين الدول وخاصة المجاورة.

ونفهم من هذا التعريف المبسط للطيف الترددي أن كل دولة تملك حصتها من الموجات الإلكترومغناطيسية لمختلف الخدمات والاتصالات اللاسلكية، ومنها الإذاعة والتلفزيون، الأرضية التي تبث على موجات تحددها لها السلطات المحلية.

وهذا لا ينطبق على الفضائيات فهي لا تستخدم طيفا تحصل عليه من سلطة محلية، حيث أن القناة التلفزيونية الفضائية تبث برامجها عبر ترددات تستأجرها من أقمار قد تكون في أي مكان بالعالم، وليست للسلطات المحلية أي سلطة عليها، بل إن القناة تستطيع أن تنقل بثها إلى أي دولة أخرى وتبث على نفس التردد لأنه غير مرتبط بدولة معينة، فهو من قمر يدور حول الأرض ويصل إلى بيوت الناس في جميع الدول التي يغطيها بث ذلك القمر.

ومع ذلك أصرت هيئة الإعلام والاتصالات على أن تدفع لها الفضائيات ثمن طيف ترددي لا تملكه الهيئة، بل وليس له وجود أصلا. وصارت الهيئة تزيد من ثمن ذلك الطيف المزعوم ورفضت كل الاعتراضات التي قدمتها إدارات الفضائيات وهددت بإغلاق القنوات التي لا تدفع، فكونت الفضائيات هيئة لرفض الأمر والدعوة إلى “الإضراب” عن تسديد هذه الضريبة غير القانونية، إلى أن خرجت لجنة الثقافة والإعلام النيابية، قبل أيام ببيان رسمي خلال مؤتمر صحافي عقدته بمبنى البرلمان تؤكد فيه أنه لا يحق لهيئة الإعلام والاتصالات، من الناحية التقنية والفنية، أن تفرض مبالغ مالية مقابل ما يسمى بالطيف الترددي على وسائل الإعلام، الأمر الذي وضع عددا كبيرا من وسائل الإعلام في حرج وعرضة للإغلاق.

وجاء في بيان لجنة الثقافة والإعلام “نتابع بقلق بالغ حالة الإرباك التي أصابت عددا كبيرا من المؤسسات الإعلامية، بسبب المحددات المالية التي تفرضها هيئة الإعلام والاتصالات على وسائل الإعلام تحت مسمّى أجور الطيف الترددي، ومطالبتها بأجور ضخمة بصيغة تراكمية وبمفهوم الأثر الرجعي مع أن الهيئة لم تقدم السند القانوني بشأن فرض هذه المبالغ كرسوم ولم تعلن عنها في تاريخ محدد كي تطالب بها لاحقا بأثر رجعي كمستحقات مالية متراكمة”.

وهكذا انتصرت لجنة الثقافة والإعلام النيابية إلى وسائل الإعلام في أول نشاط معلن لها ضد هيئة حكومية، داحضة المطالبة بتسديد قيمة “طيف ترددي” افتراضي، “إن اللجنة ترى أن هذه الأموال من الناحية الدستورية لا تشكل ديونا أو مستحقات مالية مترتبة بذمم وسائل الإعلام لهيئة الإعلام والاتصالات لافتقارها إلى السند القانوني”.

18