من ينصف الضحايا في سوريا؟

السبت 2013/09/21

يوما ما ستنتهي الحرب في سوريا. هناك من لا يأمل أن تنتهي تلك الحرب القذرة. غير أنها، بطريقة أو بأخرى، لابد أن تنتهي. ومثل كل الحروب الأهلية فإن أي طرف من الأطراف المتحاربة لن يكون الجهة الأكثر تضررا من جراء تلك الحرب. هناك جهة لم تكن طرفا في تلك الحرب ستكون الأكثر تضررا.

ربما يختفي طرف مهزوم ويبقى طرف منتصر، وهو أمر مستبعد في الحالة السورية. ما يتوقعه الكثيرون أن ينتهي المحاربون إلى قناعة تضطرهم إلى اللجوء إلى الخيار السياسي، فتبدأ مفاوضات قد تؤدي إلى تقاسم الغنائم. فلا غالب ولا مغلوب، كما يقول المثل. ولكن ذلك المثل لا يصلح للتطبيق في الحالة السورية.

هناك جهة ستكون مغلوبة. جهة يتاجر بها الآن المتحاربون، جميعهم، كما لو أنها شعار انتخابي، غير أنهم سيضعونها على الرف ما إن تضع الحرب أوزارها ويبدأ السباق الماراثوني في اتجاه منافع السلطة وامتيازاتها.

صورة سوريا في خضم الصراع المسلح لن تكون هي ذاتها يوم ينزل القناصة من سطوح البنايات، ويكف المسلحون عن التلصص على ظلال يشتبهون فيها. سيكون وضوح الكارثة هو عدو الجميع.

فإذا كانت المنظمات الدولية تحذر اليوم من وجود ملايين من البشر السوريين، هم في أمسّ الحاجة إلى الإغاثة، فإن نهاية الحرب ستفجعنا بحقيقة أن الشعب السوري كله صار في حاجة إلى إغاثة.

لقد لجأ السوريون إلى أسوأ الحلول من أجل أن ينتصر طرف منهم على الطرف الآخر، ولم يفكروا ولو للحظة واحدة أن شعبا بأكمله، كان يحلم بالحرية سيكون عليه أن يدفع ثمن خيارهم السيء، الحرب.

كان بإمكان النظام الذي حكم سوريا بأجهزته الأمنية طوال أكثر من أربعين سنة أن يلغي فقرة في الدستور كانت تنص على تفرد حزب البعث بالحكم. وهي فقرة فائضة عن معطيات الواقع، ذلك لأن حزب البعث لم يكن في حقيقته إلا أداة للتحشيد والتعبئة، ولم يكن حاكما. كان منطق العصابة هو الذي يحكم سوريا.

كان بإمكان الرئيس السوري أن يعتذر لأهالي درعا الذين خطف أطفالهم، بدلا من أن يضطر بعد أكثر من سنتين من القتل والتدمير إلى الاعتذار من العالم عن امتلاكه سلاحا كيميائيا. لو اعتذر بشار الأسد يومها لاحتضنته حوران رئيسا إلى الأبد، كما تقول الثقافة الشعبية السورية.

أكانت الحرب ضرورية تحت سقف الوطن؟ وهو سؤال يذهب مجروحا إلى قوى المعارضة التي اختارت اللجوء إلى التسلح، فصار لها جيشها الذي صار ذريعة لدخول قوى التطرف الديني إلى البيت السوري لتزيد من خرابه.

لم تكن ثورة السوريين ثورة جياع. كانت الحاجة إلى الحرية قد اخترعت طريقا عبقريا، كان من الممكن أن تكون فاتحة لمقاومة ثقافية يكون الإنسان السوري بكل معانيه الحضارية محورها.

غير أن شعار إسقاط النظام وهو شعار بدا يسيرا قد خلط الأوراق، الأمر الذي يسر للإخوان المسلمين أن يُجهروا برغبتهم في الانتقام من النظام، من خلال اللجوء إلى العنف. وكما أرى الآن فإن الكثير من العلمانيين السوريين قد انجر إلى موقع، سيكون عليه يوما ما أن يندم على الوصول إليه.

لقد استثمرت الشياطين مبدأ ملائكيا هو الحرية لتنقضّ على أمل الشعب السوري في الحرية. فلولا وجود الإخوان المسلمين في المعارضة ما كان هناك تمويل قطري ولا كان هناك دعم تركي ولبقيت الحرية كلمة نزيهة.

هناك اليوم كارثة إنسانية في سوريا، غير أن تلك الكارثة ستكون أكبر، يوم يعود السوريون إلى مدنهم فلا يجدون بيوتهم ولا أسواقهم ولا أماكن عملهم. ستحل ذكريات الموتى باعتبارها الشيء الوحيد الذي يذكر بالماضي الذي كانت فيه سوريا بلدا للجميع. يومها سيكون علينا أن نواجه حقيقة أن الشعب السوري قد خسر حريته في حرب خاضها طرفان انتصرا عليه، ولم يَهزم أحدهما الآخر.


كاتب عراقي

9