من ينصف شجرة الدر

الاثنين 2016/02/22

ليتنا نعيد كتابة التاريخ بعين منصف، فقد نجد الكثير من النساء المظلومات أو المنسيات على عتباته، فمن منا لا يذكر الجارية الخوارزمية شجرة الدر التي حكمت مصر رسميا ثمانين يوما فعلت فيها ما لم يفعله الرجال وما لم يتحقق على أيدي حكام وسلاطين اعتلوا عرش البلاد فترة زمنية أطول وأبعد من هذا بكثير وعلى الرغم من ذلك لم تسجل دفاتر التاريخ لهم إنجازا ملموسا.

هي شجرة الدر الصالحية إحدى جواري الملك الصالح نجم الدين أيوب رافقته حين نفاه والده بإيعاز من زوجته إلى الكرك (المملكة الأردنية الهاشمية) ورافقته إلى البلاد الشامية، وحظيت عنده بمكانة عالية لم تصلها جارية لدى مولاها. رافقته في السراء والضراء، وعاونته في الشدائد، وساندته في البلاء، فكانت الصديقة والخليلة والحبيبة وأم الولد حيث أنجبت له ابنه خليل وتزوجها وأجلسها إلى جواره.

كلما ضاق صدر الرجل من أهوال الحياة وكثرة الأعداء وتكالبهم عليه كانت الماء البارد في قيظ الصحراء والنسمة العليلة في نهارات الصيف القاسية، فتهدئ من نفسه الثائرة، وتشد أزره بكلمات الحب والثناء حتى تملكت فؤاده. وحين خانه الجند ولم يجد من ينصره ضد بطش سوداء بنت الفقيه (زوجة أبيه التي قلبت عليه قلب أبيه المحب واغتصبت حكم البلاد لصالح ابنها المدلل العادل سيف الدين) آزرته الزوجة الوفية وأرسلت لأهلها الخوارزميين لمناصرة زوجها نجم الدين أيوب واتخذ منهم جندا، وحين انقلبوا عليه حلت الأمر بهدوء وتعقل.

خاضت معه معاركه ضد غدر الزمان وضد الأعداء إلى أن مرض مرضا شديدا هزم جسد المحارب العنيد ونال من قوته، وفي هذه الأثناء دخل لويس التاسع ملك فرنسا أرض مصر وأحكم قبضته بعد أن استولى على مدينة دمياط الخالية من أهلها. ولكن نجم الدين الذي ولد فوق ظهر فرس أصيل لم يكن إلا ليموت وسط جنده، وهكذا سافر الرجل إلى ميدان الحرب محمولا بأيادي جنوده وحراسه الأوفياء في “محفة” أشبه بالهودج الناعم بفراش يسير كالحرير، كان يريد الشهادة بين أسنة السيوف وصهيل الخيول وليس على فراش المرض.

ومات في هذه المعركة الضارية إلا أن شجرة الدر تعالت على أحزانها ووجع الفراق لرجل أكرمها ورفعها على العرش وانتشلها من قلب الرق إلى قمة المجد والسلطان وأخفت خبر وفاته عن الجيش حتى لا يفت هذا الخبر في عضد الجند وتلين عزيمتهم وتتفرق وحدتهم ويخسروا معركة باتت بلا قائد، واستعانت برجلين من أوفى رجال القصر هما الأمير فخر الدين يوسف قائد الجيش المصري، ورئيس القصر السلطاني الطواشي جمال الدين محسن، وكانت القرارات السلطانية تخرج بأوراق السلطان وخاتمه دون تغيير.

وحتى لا يرتاب أحد في الأمر نقلت جثمان السلطان على مركب نيلي لقلعة جزيرة الروضة، وكانت تدخل كل يوم بالطعام لغرفة السلطان بالقصر حتى يتوهم الخدم بوجوده، حتى الأطباء كانوا يداومون على زيارة غرفته الفارغة وإدخال الدواء له، واستدعت ابنه الأمير توران شاه في رحلة استغرقت ثلاثة أشهر حكمت خلالها البلاد حتى استطاعت صد الخطر الصليبي القادم من الشمال، ولكن توران شاه تنكر للمرأة التي حمت البلاد وذادت عنها وهددها وتوعدها في حال لم تعد إليه ثروة أبيه التي أنفقت في تجهيز الجيوش، وحين أغتيل توران شاه بايعوا شجرة الدر ملكة فعلية للبلاد، وحكمت مدة ثمانين يوما تقربت فيها من العامة وأجزلت العطاء قبل أن تتزوج من عزالدين أيبك وترفعه إلى عرش مصر قبل أن يخونها ويتقرب من أمير الموصل طالبا ابنته للزواج فتتملكها غيرة الأثنى وتقتله.

وينتهي بها الحال مقتولة بالقباقيب على أيدي الزوجة الأولى لعزالدين أيبك وملقاة من أسوار القلعة جثة هامدة هدية للطيور الجارحة، وتوزع ضرتها “رقاقا مصريا باللبن والسمن البلدي والمكسرات” ويسمى باسم الضرة القاتلة “طبق أم علي”.

وللأسف نسي التاريخ والضمير الشعبي دور شجرة الدر العظيم واختزل نضال المرأة في حادثة القباقيب حتى أن المصريين أصبحوا يكرمون أم علي بإضافة طبق تشفيها في الملكة إلى مائدة طعامهم.

21