من ينفذ وصفة ترميم عمارة الفقراء في قرية القرنة المصرية

العمارة الإسلامية غنيّة بالتصاميم والأفكار لكن ظلت مقتصرة على ما أنجز منها في العصور التي سبقت الاتجاه إلى العمارة الأوروبية التي انتشرت في الدول العربية، المهندس المصري حسن فتحي اتجه في تصاميمه وإنجازاته المعمارية إلى المواد الأولية التي تعتمد على الحجارة والطوب وفن الهندسة العربية ليقدّم نماذج ناجحة من المعمار الذي أصبح يدرّس في الجامعات العالمية، وزاد الاهتمام بإنجازاته لتهتم به اليونسكو التي تحاول مع الناشطين المدنيين ترميم قرية القرنة المصرية التي تهالكت بفعل الإهمال والنسيان.
الجمعة 2018/01/19
جلسات قليلة في سوق مغلق

الأقصر (مصر)- باتت قرية حسن فتحي، بالبر الغربي لمدينة الأقصر التاريخية، بصعيد مصر، مقصدا للكثير من السيّاح، والطلاّب المعنيين بدراسة فنون العمارة المعاصرة.

القرية التي شيّدها المهندس المصري العالمي، الراحل حسن فتحي، في أربعينات القرن الماضي، أقيمت على مساحة 50 فدانا، وتعدّ أنموذجا لفنون عمارة فتحي، التي يطلق عليها عمارة الفقراء، وصارت مادة يدرسها العديد من طلاب الهندسة والعمارة، في كثير من جامعات العالم.

وتضمّ القرية التي أنشئت في أربعينات القرن الماضي، لنقل سكان المناطق الأثرية في غرب الأقصر إليها، ما بين مسجد وقصر ثقافي وسوق والعشرات من المنازل التي بنيت بنظام القبو، لكن كثيرا من المنازل تعرّضت للهدم نتيجة لعوامل الزمن، ونظرا لبنائها بالأحجار وطوب اللبن المصنوع من الطين.

حملات لإنقاذ تراث مهدّد بالزوال، لكن خطة إنقاذ معالم القرية تأخرت، بعد اندلاع ثورة الـ25 يناير، بمصر، لتنطلق حملات مصرية تطالب بالإسراع في إنقاذ ما تبقّى من عمارة حسن فتحي، داخل قريته في غرب الأقصر.

الجرة حاضرة في معمار حسن فتحي

وكشف الناشطون في حماية التراث بمدينة الأقصر، من خلال حملاتهم، عن أنّ ما تبقّى من معالم القرية بات في خطر، ويحتاج إلى تحرّك وطني عاجل للحفاظ على معالم يفد عليها الآلاف من السيّاح ودارسي فنون العمارة في العالم لزيارتها. بالإضافة إلى أن منزل حسن فتحي الذي بناه وأقام به المعماري المصري العالمي بقرية القرنة الجديدة غرب الأقصر، والذي يعدّ تراثا معماريا لمصر وللإنسانية جمعاء، بات مهدّدا بالزوال، بعد أن تآكلت جدرانه وتشققت أسقفه ومالت حوائطه ونال منه الإهمال.

وتحوّل سوق القرية إلى ورشة لصيانة السيارات المملوكة لسلطات محافظة الأقصر، كما بات المسجد مهدّدا بالانهيار، بعد أن تآكلت أيضا جدرانه ونال منه الإهمال.

ونجح الناشطون من الأثريين والمثقفين، وأعضاء القوى الشعبية والوطنية بمحافظة الأقصر، من خلال حملاتهم، في لفت أنظار العالم إلى ما يتعرّض له تراث المصري العالمي حسن فتحي، في غرب الأقصر من مخاطر التلف والضياع، ولقيت مناشدتهم للسلطات المصرية والمسؤولين بمنظمة اليونسكو صدى طيبا أسفر عن إحياء مشروع حماية وترميم أهمّ معالم العمارة التي تركها المهندس الراحل فتحي بقرية القرنة، بعد تأخر دام قرابة سبع سنوات.

وفي إطار المساعي المحلية والدولية لإنقاذ تراث المهندس المعماري الراحل، شهدت مدينة الأقصر، في العام 2010، مؤتمرا دوليا، نظمته سلطات محافظة الأقصر، بالتعاون مع منظمة اليونسكو، شارك فيه 40 من كبار خبراء حماية التراث في مصر والعالم، على رأسهم فرانسيشكو بندرين نائب مدير منظمة اليونسكو ورئيس مركز التراث العالمي آنذاك.

ووضع المشاركون روشتة علاج لإنقاذ ما تبقّى من قرية حسن فتحي والتي تعدّ تراثا معماريّا لمصر وللإنسانية جمعاء وباتت مهدّدة بالزوال حيث لم يتبق من ذلك التراث المعماري الجميل سوى مسجد القرية وقصر الثقافة وعدّة مساكن تتوارى بين أحضان العمارات القبيحة.

وتدارس الحاضرون بالمؤتمر إحياء القرية وتحويلها إلى مركز للحرف البيئية وتراث منطقة الشرق الأوسط، وناقشوا نتائج المسح الذي قامت به منظمة اليونسكو للقرية، وعرضوا النتائج المبدئية للمسح الاجتماعي وطرق فهم واستيعاب الرؤية المتعلقة بتطوير القرية، والمبادئ الخاصة بوضع استراتيجية للحفاظ عليها.

وقد شهد العقدان الأخيران، عودة الروح لفنّ عمارة حسن فتحي، وصارت مدرسته المعمارية تنتشر بكثرة في الأبنية الفندقية الجديدة في غرب مدينة الأقصر، حيث جرى إقامة العشرات من المنشآت على نمط هندسة عمارة فتحي وما تشتهر به من أقبية، مثل الفنادق ومقارّ البعثات الأثرية الأجنبية العاملة في التنقيب عن آثار الفراعنة، بجانب المباني السكنية التي أقامها السيّاح المقيمون في الأقصر، بجانب شباب المصريين، الذين رأوا في مواد البناء التي استخدمها حسن فتحي في عمارته، منقذا لهم من غلاء أسعار مواد البناء الحديثة من الحديد المسلح والأسمنت، بجانب ما تتميز به عمارة فتحي من جمال يجذب السياح.

اليونسكو تنقذ مسجد القرية

وترجع قصة إقامة قرية حسن فتحي غرب مدينة الأقصر إلى أنه كان يوجد ما يزيد على السبعة آلاف مواطن كانوا يعيشون في منطقة القرنة الأثرية الغنية بالمئات من المقابر الفرعونية وقد احتشدوا في خمس مجموعات من البيوت المبنية فوق وحول هذه المقابر.

وكان من الطبيعي أن تحدث العشرات من السرقات لمحتويات تلك المقابر الفرعونية، لعل أكثرها تهورا سرقة نقش صخري مشهور ومصنّف بالكامل من أحد القبور الفرعونية بعدها قفزت فكرة ترحيل سكان القرية لمكان آخر إلى أذهان عدد من المسؤولين الذين قاموا بالاتصال بحسن فتحي لبدء مشروع القرنة الجديدة، هذا المهندس المشهور تسبقه سمعة كبيرة وإنجازات متعددة، منها تصميمه لبيوت الملكية الزراعية والهلال الأحمر.

وقد تأثر المسؤولون بإمكانيات مادة البناء التي استخدمها حسن فتحي، ورخص تكاليف إقامتها. لم يتجاهل فتحي التراث المعماري الخاص بالقرنة القديمة، حيث عمل مثلا على وجود أبراج الحمام و”المزيرة”، مكان توضع فيه جرة المياه “الجرة” والأقبية، وأضاف إلى هذه التنظيمات حلى مفرغة أشبه بمشربيات من الطوب اللبن لتعمل كمرشح طبيعي للهواء.

والمعماري المصري الراحل حسن فتحي هو أحد ابرز وجوه الهندسة المعمارية العالمية الحديثة وصاحب رؤية خاصة اقتربت من النظرية المتكاملة في التفاعل مع البيئة المحيطة وجمعت تصميماته بين الجمال الفني وبين اقتصاد التكاليف وكان اعتماده على الخامات المحلية في البناء فكان الطمي -الطين- هو المادة الخام الأساسية لقدرته على احتواء قسوة التغيّرات المناخية صيفا وشتاء، كما حرص على إضافة القباب والأقبية ذات التهوية الجيد ة في مبانيه.

ورغم نشأة حسن فتحي في أسرة ثرية فقد كرّس كل عبقريته وفنه وحياته في العمل على أن يتمكّن أفقر الفقراء في الريف من الحصول على مسكن صحّي رخيص، مع الحرص على أن يكون هذا المسكن متينا وواسعا وفوق ذلك جميلا.

ولم تكن هذه الأفكار مجرّد أحلام رومانسية نظرية بعيدة عن التطبيق الواقعي، فقد تمكّن المهندس المصري الراحل من إثبات صحّة نظرياته عمليّا في عدّة نماذج أقامها وأثارت الإعجاب في داخل مصر وخارجها.

20