من ينقذ الثورة وسوريا

السبت 2013/10/12

تعقدت شروط الصراع في سوريا كثيراً، وأصبح وضع الثورة بخطر حقيقي هذه المرة، فالتصالح الأميركي الروسي الإيراني، اتسع وتضخم بعد مقتلة الكيماوي ومبادلة الضربة به. وبالأصل لم تعلن أميركا عن موقف جاد من السلطة السورية، سوى حينما حصد الكيماوي أكثر من ألف وخمسائة سوري.

أي أن هناك ضغط دولي كاسح على الثورة، ومحاولة تعديل كفة النظام، بعد ضعفٍ واضحٍ له في كامل سوريا. هذا الوضع أدخل قوى الثورة والمعارضة في إرباك حقيقي.

إرباك، ظهر ضمن الانقسامات والتحالفات والتمايزات في كتائب الجيش الحر والمجموعات الجهادية، عدا عن سذاجة سياسية وغضب وربما بكاء مر، لم وربما لن يتوقف عنه موالي الائتلاف الوطني، فهم يشعرون بالخذلان من أميركا. قد تكون وقاحة كيري، بشكر الأسد، أكثر مما يوضح المصالح الإمبريالية الأميركية وسواها على حقيقتها، فهم ليسوا معنيين أبداً بتأييد ثورات الشعوب، والأدق هم يعملون بكل الطرق على إفشالها وتدميرها، وإغراقها بالمشكلات وسد آفاق تطورها؛ هذا ما فعلته الإمبريالية الروسية بوضوح كامل، وهو ما فعلته بقية الإمبرياليات بخبث، ولكن كذلك بشكل واضح.

الآن، تعقدت أوضاع الثورة، فما الحل، وكيف يمكننا الخلاص؟

أستعجل قليلي الصبر والحيلة، وأقول لهم: لا حل سريع، فما طال أمده، لن ينتهي أجله سريعاً. ونضيف: لا ينقذ الثورة سوى الثائرين، ومن تحمل كل آلام الثورة منذ بدايتها وإلى الآن، أي الشعب بقواه الثورية، شعبية وعسكرية ومدنية وسواها. أي أن اختطاف القرار السياسي لنخب سياسية معارضة ومتقادمة عن الحياة ومنبعثة من فشلها، شوّه الثورة وأدخلها بدهاليز الضغط الدولي والإقليمي وتنفيذ كل سياسات النظام، وتأكيد روايته الأولى أن في سوريا عصابات إرهابية وسلفيين وليس من ثورة حقيقية. داعش وما يشبهها تأكيد لهذا الموضوع، وكل من برّر وجودها، ساهم في تنفيذ سياسات النظام بكل بساطة ووضوح.

مواجهة الحالة المعقدة للثورة، تكون من خلال كامل تشكيلات الثورة، وعبر إعلان برنامج واضح، ولكافة السوريين، بأن الثورة ثورتهم وهي من أجل مستقبل ديمقراطي وعادل للجميع، ونبذ كل فكر طائفي وجهادي، والاعتراف بأن تطورات الصراع سببها الأساسي النظام وسببها الثاني المعارضة، أي أنهم هم من أدخل الثورة، بمشكلات سببتها التداخلات الدولية والإقليمية. وأن سوريا وبعد فشل النظام بإنهاء الثورة وكذلك فشل الثورة بإنهاء النظام، صار لابد لها من حلّ سياسي، ينهي كل أشكال الاحتكار للسلطة، ويتم تحميل المسؤولية بذلك لكل من شارك بالقتل، أو قام بفرض الحصار وتجويع الناس في مختلف مناطق سوريا. وأن ما جرى يخدم مافيات محددة بعينها، ولا ينطلق من طائفية مفترضة، لطالما كررت أقسام من المعارضة أنها هي السبب لما يحصل في سوريا. يضاف إلى ذلك التبرؤ الكامل من كافة التشكيلات العسكرية الجهادية، وإخراج، أي مجموعة أو شخص غير سوري من سوريا من تلك الجماعات، وعزل الجهادية السورية عن الثورة.

العودة للثورة تقتضي، مشروعا سياسيا نقيضا، يعيد الثقة بالشعب، فتتشكل هيئات ومجالس محلية ومجالس مدن، تكون هي المسؤولة عن تأمين احتياجات الشعب، وتتيح للجميع الحق الكامل في الاعتراض والاحتجاج على كافة الأخطاء والسياسات التي لا تخدم الشعب وثورته، وإعادة هيكلة كل مؤسسات الثورة، والجيش الحر وسواه، وأن تكون الشفافية وتقديم كشف الحسابات هي السياسة المتبعة لذلك، وتفعيل دور القضاء الحر، ولكن غير المرتهن لسياسات الائتلاف وسواه، واعتماد القانون السوري، بعيداً عن التشريع الديني المتشعب الذي لا نعرف من وضعه، وكيف وضع، وهل يطبق بصورة سليمة، سيما وأن معظم ما يطبق منه، يطبق وفق رؤية مبتسرة وضيقة وتسيء إلى الدين قبل المعاقبين وفقه.

تعقيدات الثورة، وتزايد التداخلات لتركيع المعارضة أكثر فأكثر، قد يحصل تماماً، ولكن ما لا يجوز إغماض العين عنه، أن النظام ضعيف جداً، وتكمن قوته بالتحديد، في الحالة الكارثية للمكون العسكري؛ أي بتشتت الكتائب، وبتبعية الائتلاف لتلك التدخلات، وبالتالي وكي يكون بالإمكان بداية حل التعقيدات، هناك ضرورة لتنظيم وفرز وضبط، قوى الثورة والكتائب، وإعادة الثورة للشعب.

مجالس محلية جديدة، ومجالس مدن وحقوق عامة للمواطنين وتنظيم العمل العسكري وإسقاط الائتلاف الوطني وإبعاد كل المجموعات الجهادية، ورفض كل رؤية طائفية للثورة ولسوريا؛ هذه بدايات أوليّة نحو الحل.

هذه المسائل لن تحتاج لسنوات ضوئية ولا لعدة سنوات واقعية، هي فقط تتطلب إرادة صلبة وعقل منفتح، وقوى سياسية قادرة على التقاط التراجع الحاصل لجهة دعم الثورة، حيث أصبح الخبث الإمبريالي واضحاً، فما يعنيهم مصالحهم ومصالح إسرائيل، وأن تحتل الجهادية الأراضي المحررة بشكل رئيسي، وتثير الفتن والحروب والاقتتال بين الكتائب المسلحة وبين الأكراد والعرب.

ربما لن يتحقق ذلك، أو شيء قريب منه، أو في إطاره، وبالتالي سينفتح المجال واسعاً أمام التعقيدات المشار إليها من قبل. الأميركان والروس كما يبدو ليس في جعبتهم لجنيف وفي حال حصوله سوى حكومة مشتركة، وليست بصلاحيات واسعة، بل وربما سيفرض التجديد من خلاله للأسد نفسه، وبالتالي وبرفض كتائب كثيرة، وقوى سياسية متعددة لاتفاق جنيف القادم، قد ينفتح الوضع لما أخطر من ذلك، أي «استنقاع» المشكلات أكثر فأكثر، وانفتاحها نحو انتقال طائفي وقومي على مستوى واسع، بهدف تركيع الثورة، وإجبارها تحت ضغط ذلك الاقتتال على الذهاب نحو حل سياسي، وربما ستكون شروطه أسوأ مما يعرض الآن، أو ما عُرض قبل عام في جنيف.

إنقاذ الثورة وسوريا، مرتبط مباشرة وأكثر من أي وقت مضى، بالسماح للشعب بالعودة إلى ثورته رغم كل الدمار والقتل، وبحماية من قبل الكتائب المسلحة الوطنية، ليلعب دوره الثوري الشعبي من جديد.

* كاتب سوري

8