من ينقذ ميراث نجيب محفوظ الضائع من سماسرة الثقافة

الأربعاء 2014/08/06
تراث أدبي ضائع لنجيب محفوظ

ضمّنت مجلة الهلال المصرية التي تصدر عن “مؤسسة دار الهلال”، بالقاهرة، في عدد أغسطس 2014، وهو العدد الذي يُدشّن به الرِّوائي سعد القرش، رئيس التحرير الجديد، لمرحلة جديدة في مسيرة المجلة التي بدأت منذ تأسيسها على يد جورجي زيدان 1892، مفاجأة من العيار الثقيل، حيث احتوت على مقال للكاتب المصري المقيم بلندن منير مطاوع، بمثابة كشف أدبي جديد وإرث ثقافي من تراث أديب نوبل نجيب محفوظ.

أشار الكاتب منير مطاوع إلى عثوره على مخطوطة روائية تُعَدُّ مِن أولى روايات نجيب محفوظ، التي يعود تاريخ نشرها حسبما المدون عليها إلى عام 1927، وقد كان عمر نجيب محفوظ آنذاك تقريبا سبع عشرة سنة، أي في مرحلة الباكالوريا -تعادل الثانوية العامة الآن-.


مذكرات هارماكيس


يورد الكاتب منير مطاوع صاحب كتاب “السندريلا تتكلم”، في مقالته تفاصيل عن الرواية، كعنوانها الفرعي الذي ينتسب للمرحلة التاريخية الفرعونية التي بدأ بها نجيب محفوظ أوّل أعماله الرّوائيّة كما هو معروف بنموذج “عبث الأقدار” عام 1939، وقد جاء عنوان مخطوطة الرّواية هكذا “الأحدب أو هارماكيس″. وذكر الكاتب أن المخطوطة عبارة عن كراسة مدرسيّة، الغلاف مكتوب باللون الأحمر وبخط نجيب محفوظ نفسه، اللافت للانتباه أن نجيب محفوظ بدأ نصه بمقدمة -على غير ما ألف في أعماله اللاحقة- يشير فيها إلى أن: «تلك الرواية عبارة عن مذكرة تشمل حياة هارماكيس المصري خادم إزيس (هكذا) إله (هكذا) مصر القديمة.

ها هو هارماكيس يصوّر لكم بقلمه شكل (هكذا) من أشكال مصر قديما. ويعترف بجرائمه التي أدّت به إلى أسفل مكان يمكن الوصول إليه، ويذكر الأسباب التي أدّت إلى إجرامه» ثم يستطرد نجيب محفوظ ذاكرا دوافعه من وراء تأليف هذه الحكاية التي استخلصها من التاريخ الفرعوني وترجمها عن الهيروغليفية “الهيلوغرافية” كما يكتبها الصبي نجيب كما ذكر كاتب المقال منير مطاوع، فيقول إنّه نقلها في صفحات روائية «لما وجدت فيها من العظات البيّنات، وأردت، والكلام مازال يعود إلى محفوظ، أن يكون خطأ هارماكيس درسا حكيما لغيره، فيمكن الحذر من الوقوع في مثله» ثم يلي هذه المقدمة الموجزة توقيع المؤلف، أما في صفحة الغلاف الأخير فيرد تنويه عن رواية لاحقة بعنوان “فيرونيكا” أو “هدية التمثيل”.

يُقدِّم لنا كاتب المقالة وَصفًا دقيقًا لنصّ المخطوطة، الذي يشتمل على مقدمة اقتطف منها الأجزاء السّابقة ثمّ متن يحتوى على سبعة فصول يعنونها كالآتي “طفولتي، أنا وسيتو، (الفصل الثالث امّحت بعض حروفه ولا يظهر منه إلا كلمات:المعبد ، لمساعدة، الأم، انتصارنا) وصولا إلى الفصل السابع المعنون بـ أفروديت ـ جنايتي ـ انتحار مريمون ـ تسليمي نفسي ـ عبرات».

العجيب في الأمر أنّ التطاول على تراثنا الثقافي متكرّر ويحدث على مرأى وَمسمع

تكشف طبيعة النص عن نوعية الكتابة وهي السيرة الروائية حيث النص يحكي عن سيرة خادم للملك، وحسب عناوين الفصول تشير إلى تتبع مسيرته منذ الميلاد حتى لقي حتفه.

وكل ما يورده يُفْضي إلى نتيجة واحدة هي أن النص ينتسب إلى نجيب محفوظ لا محالة، لكن السؤال الذي يلحُّ منْ الذي سرّب هذه المخطوطة التي ربما تكون واحدةً مِن جُمْلة مَخْطوطات اعترف نجيب محفوظ أنه كتب الكثير منها دون أن يدفع بها إلى الناشر، خاصّة في مرحلة الروايّة التاريخيّة، والسبّب معروف هو ضعف المحاولات الأولى كما ذكر في حواراته مع رجاء النقاش وغيره.


كشف جديد


ولنا أن نحترم رغبة الرجل في عدم نشر ما لا يريد نشره، لكن بالنسبة لهذه المخطوطة فالأمر جدّ مُخْتَلِف لعدة أسباب، أولها أن هذه الرواية تعد الأولى له وفقًا لتاريخ النشر، فقد سبقت عمله “عبث الأقدار” باثني عشر عامًا، أي قبل أن يحترف نجيب الكتابة الأدبية، حيث كان صبيًا يافعًا، وهي محاولة بكر، ومن ثم كما هو واضح في تقديمها وتبويب فصولها تفتقر إلى الفنيات التي صاغ بها عبث الأقدار وما تلاها من روايات، ومن ثم الوقوف على هذا النص، معناه الوقوف على البدايات والفنيات التي انتهجها نجيب في كتابته، مقارنة بما تلاها من أعمال. وبذلك تمثل طورًا جديدًا في كتابات محفوظ على الأقل في مستوى التقنيات.

إرث ثقافي جديد من روائع صاحب نوبل

وثانيهما: أن المخطوطة تنسب إلى كتابات المرحلة التاريخيّة، التي سعى من خلالها محفوظ إلى الإجابة عن سؤال مفاده: كيف نتحرَّر؟ وهو سؤال يأتي أولاً وفقًا لقناعته الأيديولوجية المتوائمة مع ثورة 1919 المنحازة إلى الشعب كركيزةٍ أساسيةٍ في عملية التحرُّر ثم النهضة في مرحلة تالية، وثانيًا كتلبية وضرورة لسؤال البحث عن الهوية المفتقدة، والتي أعادت ثورة 1919 لها الروح والوعي معًا.

وهو ما عبَّرَ عنه الحكيم في رواية حَمَلتْ الاسم نفسه “عودة الروح” (1931)، وهو ما يُفسِّر لنا أسباب ولع نجيب بالتاريخ الذي خصّه بروايات عِدّة سواءً التاريخ الفرعوني كَـ”عبث الأقدار” (1939) و”رادوبيس″ (1943) و”كفاح طيبة” (1944)، ثمّ المرحلة التاريخية الاجتماعية، التي بدأها بالقاهرة الجديدة (1945) مرورًا بالثلاثية الشهيرة “بين القصرين” (1956) و”قصر الشوق” (1957)، و”السكرية” (1957) ثم عودته مرة ثانية إلى التاريخ برواية “العائش في الحقيقة” (1985) عن أخناتون.

ومن ثم فولع نجيب محفوظ بالتاريخ ليس مرجعه لقراءاته في الجامعة وانكبابه على التاريخ الفرعوني كما ذكر لرجاء النقاش وإنما الولع والاهتمام يعود إلى مرحلة سابقة، تكمن في البحث عن الجواب عن سؤال كيف نتحرَّر والذي أجاب عنه عبر شخصيات رواياته، وبالتالي فإن الحديث عن الظلم والفساد كان تمهيدًا لحكم الشعب بنفسه كما تجلّى في صورة البطل أحمس الذي حرّر البلاد.

ثالثهما، أن سيرة الخادم الذي كتب عنه هي سيرة لمهمّش، وهو ما يعني أن ذهنه لم ينصب فقط على الملوك والأمراء، بل تطرّق إلى الخدم راصدًا تطلعاتها للحكم والنهاية التي انتهوا إليها في صورة النموذج الذي صاغه في مرويته المجهولة.

كما يكشف الكاتب عن اطّلاعه على المخطوطة من آخرين، إلا أنه يلفت إلى أنّ مَنْ وضع يده عليها يريدها أنْ تكون سرًّا، ولا يريدُ أنْ يتحدث عنها. كما يشير في نهاية المقالة إلى أن المخطوطة “عُرضت على موقع إليكتروني للبيع بالمزاد في لندن، بمبلغ لا يقل عن 50 ألف جنيه مصري”، ومِن ثم َّيوجه نداءاته إلى المسؤولين للحفاظ على التراث، عبر تساؤل استنكاري: فهل نترك تراثنا الأدبي هكذا؟

العجيب في الأمر أنّ التطاول على تراثنا الثقافي مُتكرِّر ويحدث على مرأى وَمسمع المسؤولين، فقبل أسبوعين بيع تمثال الفرعون “سخم كا” في قاعة مزادات في لندن وقد فشلت الجهود الأخيرة في إفشال عملية البيع، وها هو الآن يتكرّر مع مخطوطة محفوظ رغم أن ثمّة رعاة له ولإبداعه كانوا متحدثين باسمه، ألا يحق لنا بعد الإهانات التي لحقت به أن نصرخ في وجوههم: ماذا فعلتم بميراث محفوظ؟ أو ماذا ستفعلون في كارثة الرواية؟ أم ستكتفون بالعويل والنحيب بعدما ضَاعَ ما كان يَجْعَلكم في دائرة الضوء دائمًا؟

15