من يواسي الكاتب العربي

مشكلة الكاتب العربي لم تعد في توفر النشر والحصول على تعويض رمزي مقابل الجهد الفكري الذي بذله.
الاثنين 2019/12/02
من يواسي الكاتب العربي (لوحة للفنانة نور بهجت)

نشرت أكثر من صحيفة عالمية مختاراتها لأهم مئة كتاب لكتاب وكاتبات من العالم. المشكلة التي يواجهها القارئ العربي وهو يقرأ هذه الاختيارات ليس في توزعها الجغرافي والثقافي، بقدر ما هي في حجم عدد النسخ التي بيعت من هذه الكتب وبلغت الملايين. هذه المفارقة المذهلة بين ما يطبعه أفضل كاتب عربي مقروء وبين بعض هؤلاء الكتاب والكاتبات تكشف عن الواقع المؤسي للكاتب العربي وما يعانيه من خذلان ورغم ذلك ما زال يصر على الكتابة والإبداع. منذ سنوات بعيدة والمعنيون بقضايا الثقافة والإبداع يطرحون هذه المشكلة في العالم العربي، لكن بدلا من البحث عن حلول عملية نجدها تتفاقم دون أفق مرجو لها. كتاب وكاتبات عالميون يبيعون ملايين النسخ من كتبهم وكتاب وكاتبات عالميون يعيشون من دخل مؤلفاتهم، والكاتب العربي ما زال يبحث عن فرصة نشر في مؤسسة رسمية أو عن ناشر لكتبه دون أن يفرض عليه دفع ثمن طباعتها، على أمل أن يسترد ولو جزءا بسيطا مما دفعه لكن دون جدوى.

لم تعد مشكلة الكاتب العربي تتحدد في مسألة توفر النشر والحصول على تعويض رمزي مقابل الجهد الفكري الذي بذله من قبل هذه المؤسسة أو تلك، لقد تطورت مشكلته إلى وجود القارئ المهتم الذي يقبل على قراءة ما يكتب. المجتمعات العربية تأتي في أسفل سلم القراءة والنشر عالميا، على الرغم من أن مجتمعاتنا هي من أكثر المجتمعات العالمية في عدد الولادات ما يعني تزايد أعداد القراء في كل عام، لكن ما يحصل عكس ذلك إذ يتراجع عدد القراء لأسباب كثيرة وتتسع أزمة النشر ويبقى الكاتب العربي رهين هذا الوضع يراكم خساراته وخيباته.

في النصف الثاني من القرن العشرين كانت مؤسسات النشر العربية الرسمية تسد جانبا لا بأس به من حاجات الكتاب للنشر، وكان عدد الكتاب حينها أقل بكثير مما هو الآن، وكانت هذه المؤسسات تقدم تعويضا ماديا رمزيا للكاتب. لكن هذه المؤسسات تراجع دورها كثيرا وتقلصت معها فرص النشر في وقت يتزايد فيه عدد الكاتبات والكتاب العرب، الأمر الذي جعل الكاتب العربي أسيرا لحسابات أصحاب دور النشر الخاصة التي باتت تتحكم بصناعة الكتاب كما يدل عليه تكاثر أعدادها.

عندما تجد على الغلاف الداخلي لأي كتاب عربي عدد النسخ المطبوعة التي لا تتجاوز في أحسن الأحوال الألف نسخة تضحك طويلا، هناك ثلاثمئة مليون عربي وأكثر لو افترضنا أن هناك عشرة قراء في كل مليون عربي فهذا يعني أن هناك ثلاثين ألف قارئ، ما يعني أن على الكاتب أن يطبع من كتابه نسخا تساوي هذا العدد، أما أن يكون العدد ألف نسخة لثلاثمئة مليون عربي فإن ذلك لا يولد إلا شعورا بالمرارة والإحباط، ما زال الكاتب العربي يراكمه ومع ذلك لم يزل يكتب.

ولكي لا يظن أحد أن هناك تغيرا طرأ على هذه النسبة من عدد ما يطبع من كل كتاب عربي يمكن العودة إلى مطبوعات عربية صدرت في أزمنة مختلفة لكي يجد أن العرب لا يزالون يراوحون في نفس المكان على الرغم من الفائض السكاني الذي يضيفونه في كل عام. ألف نسخة أو خمسمئة نسخة هي المعيار الدائم باستثناء قلة قليلة من الشعراء والكتاب/ الكاتبات العرب ولأسباب لا تخضع دائما لمعيار القيمة الإبداعية عند القارئ العربي.

مشكلة الكاتب العربي أن هذه الأزمة المستفحلة بلا أفق وهي تزداد استفحالا فالشكوى التي نسمعها تتردد كثيرا في السنوات الأخيرة من إهمال المؤسسات الثقافية العربية الرسمية وغير الرسمية للكاتب العربي كافية لتدلل على مدى تردي الأوضاع التي أصبح يعيشها الكاتب اليوم ليس على مستوى النشر وإنما على الأصعدة المختلفة التي تحيط بحياته وبفضاء الكتابة والإبداع عنده.

كان الكاتب العربي في ما مضى يستعين على هذه الأوضاع بالكتابة في المجلات والصحافة الثقافية لكن هذه المنابر أخذت تختفي من الوجود شيئا فشيئا، حتى أصبح الكاتب لا حول له ولا قوة في هذا الحصار الذي يعيش فيه. إن هذه المشكلة لم تعد تخص هذا البلد أو ذاك فقد تحولت إلى مشكلة عربية يواجهها الكاتب العربي سواء في دول ما كان يسمى سابقا بالمراكز الثقافية أو في دول الهامش. لذلك لم يعد مستغربا أن يأتي تصنيف العرب في حجم ما ينشر عالميا في ذيل القائمة، تتقدم علينا حتى الدول الأفريقية بينما دول لا يتجاوز عدد سكانها العشرة ملايين تطبع أضعاف ما يطبع في كل عام عربيا.

أحيانا نلوم بعض دور النشر وهي في النهاية مؤسسات ربحية على تدني المستوى الإبداعي أو الفكري لبعض ما تنشره من مطبوعات، لكن عندما نتأمل حجم أزمة القراءة عربيا ندرك لماذا يضطر هذا الناشر أو ذاك إلى البحث عن مؤلف يملك المال لنشر كتبه. طبعا هذا لا يبرر سياسات بعض هذه الدور الخاصة للنشر لكنه يجعلنا نتفهم جانبا من أوضاع صناعة الكتاب لدينا وما تواجهه من مشاكل وتحديات، لا شك أن الكاتب العربي هو الطرف الخاسر فيها دوما، طالما أن لا خيار له إلا التسليم بشروط هذا الواقع رغم مرارته.

14
مقالات ذات صلة