من يوقف إطلاق النار في سوريا

الأربعاء 2015/11/18

ينص البيان الختامي لمؤتمر فيينا الخاص بالأزمة السورية على إطلاق عملية سياسية يسبقها وقف لإطلاق النار.

وإذا ما كان وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، قد استثنى جبهة النصرة وتنظيم داعش من ذلك، باعتبارهما تنظيمين إرهابيين، فهل يعني ذلك أن المئات من الجماعات المسلحة التي تقاتل على الأرض ستكون جزءا من العملية السياسية؟

المسافة العقائدية التي تفصل بين تلك الجماعات وجبهة النصرة على سبيل المثال ليست كبيرة، بل إن بعضا من تلك الجماعات ما هو إلا جناح منشق من جبهة النصرة أو من داعش. كانت هناك عبر الأربع سنوات الماضية تحالفات كثيرة انتهت إلى الافتراق، بعد أن انتهت عملية تقاسم المغانم. ومثلما استباحت داعش المناطق التي وقعت تحت سيطرتها، فإن الجماعات الإسلاموية المتشددة لم تكن أقل توحشا.

لقد استبيحت سوريا، بشرا وحجرا من قبل كل القوى التي جعلت من شعار إسقاط النظام ذريعة لنشاطها الإجرامي مدفوع الثمن. وهو ما لم تتستر عليه الدول الإقليمية التي موّلت تلك القوى بالمال والسلاح وفتحت لها طرق الإمداد بالمقاتلين الجدد، القادمين من مختلف أنحاء الأرض، بحثا عن ممارسة هوايتهم في القتل، تمهيدا لانتقالهم إلى آخرة، ستكون هي الأخرى مدفوعة الثمن.

ولا أظن أن في إمكان أحد أن ينكر أن هناك تداخلا في الجبهات، سيعيق عمل تقنيي فيينا وهم يسعون إلى انتزاع المقاتلين (غير الإرهابيين) من العجينة التي صنعتها التنظيمات الإرهابية. فلطالما سمعنا أصواتا من داخل المعارضة الرسمية التي ستكون جزءاً من الحل السياسي وهي تتغنى بانتصارات جبهة النصرة. فهل يستقيم ذلك التغني مع الإصرار الأميركي على اعتبار جبهة النصرة جماعة إرهابية.

المعطيات على الأرض تقول إن فصل الإرهابي عن غير الإرهابي في الحرب السورية لن يكون عملية مجدية. فبعد أن تم تذويب الجيش السوري الحر من خلال قطع الإمداد عنه وحرمان مقاتليه من التمويل وإجبارهم على بيع أسلحتهم والانضمام إلى التنظيمات الإسلاموية المتشددة، وفي مقدمتها تنظيم داعش وجبهة النصرة، فإن الأمل في العثور على مقاتلين وطنيين سيبدو ضئيلا.

أما أن يتم اختراع جهات معتدلة لتكون طرفا في الحوار السياسي فذلك أمر ممكن، غير أنه يرتبط أيضا بإمكانية السيطرة على الجماعات المسلحة ودفعها إلى الالتزام بوقف لإطلاق النار، وهو أمر ممكن أيضا من خلال إغراق تلك الجماعات بالمال، ولكن هل يضمن هذا التصرف امكانية إخراجها بهدوء من المعادلة السورية؟ ما أخشاه أن تدافع تلك الجماعات عن وجودها مثلما فعلت الميليشيات في ليبيا.

وجود تلك الجماعات صار أمرا مفروغا منه، وهو ما يضفي على المسألة السورية تعقيدا مضافا. ذلك لأن اندماجها في حياة ما بعد الحرب مشكوك فيه ولا يدعو إلى الاطمئنان، كما أن خروجها من سوريا غير مسموح به دوليا. فمَن ذهب إلى سوريا مقاتلا لن يُسمح له بالعودة منها إلى مكان إقامته الأصلي، فرنسيا كان أم تونسيا. الأمر سواء. وهو ما سيدفع بالمقاتلين إلى التصلب في الدفاع عن حقوق افترضوا أنها صارت جزءا من بداهات وجودهم على الأرض السورية.

وهكذا سيكون على عَرَّابي فيينا أن يواجهوا حقيقة أن الخروج من المأزق في سوريا سيكون أكثر من صنع ذلك المأزق. فمَن أدخل الجماعات المسلحة إلى الأراضي السورية لن يكون مستعداً لتبني عملية إخراجها، كما أن تلاشي دور المعارضة السياسية من جهة قوتها الفعلية على الأرض قد أدى إلى غياب الجهة التي يؤمل أن تكون طرفا في حوار سياسي يكون النظام طرفه الآخر.

وأخيراً فإن زمناً من الصراع المسلح قد خلق نوعاً جديداً من الولاءات الشعبية، لن يكون من اليسير التخلص منه. لا النظام ولا معارضته ولا القوى الدولية والإقليمية التي تدعمهما ستكون قادرة على إعادة الأمور إلى نصابها.

كاتب عراقي

8