من يُفند شهادة خالد نزار

الأربعاء 2016/01/27

تتّجه الجزائر اليوم إلى مساءلة أولئك الذين صنعوا تاريخها السياسي والعسكري، وهي بذلك ستقوم بتصحيح معلومات ودراسة مواقف يستند إليها شعبها لإصدار أحكام تتعلق بالمصير المستقبلي للدولة، لذلك تحتاج إلى التصريح في سرد المعلومات من الأحياء، وليس التلميح منهم، أو الاحتكام إلى أفعال ومواقف وقرارات الأموات، بغض النَّظر إن كانت خيرا أو شرا.

ورغم أن الجزائر مُلغَّمة على مستوى تجربتها التاريخية، لسببين، الأول؛ إن تسجيل الأحداث لم نعهده على مستوى الكتابة والتأْريخ، وهذا يعود في أصوله إلى تجربة المنطقة المغاربية كلها، حيث الفعل البطولي في مقاومة أمم أخرى محتلة أعطى الأولوية إلى الفعل الثوري وأدواته منذ قرون خلت، لذلك لم يتمّ التركيز على تسجيل الأحداث إلا في ما ندر، وربما لهذا السبب نجد التاريخ المكتوب أقل، كما وكيفا، من التاريخ الشفوي، ويمكن اعتبار ثورات الدول المغاربية ضد فرنسا هي بداية لتوسيع دائرة الكتابة والتسجيل، وهذا يعني أن الجزائر في حالتها الراهنة، وإن بدت مختلفة هي جزء من تاريخ عام للمنطقة المغاربية.

السبب الثاني؛ وهذا يخص زمنها الراهن بدءا من ثورة 1954 ضد الاستعمار الفرنسي وحتى نهاية ما يعرف بالعشرية السوداء أو الحمراء، أن من قادوها في الحربين، ضد المستعمر أولا، وضد الجماعات الدينية أو ضد اختيار الشعب، كما هو في بعض الأدبيات والمواقف السياسية، ثانيا، أعطوا أولوية لإقامة الدولة على حساب المواطنة، على اعتبار أن الوطن تحقق من خلال الاستقلال، وأنه لا بد من دولة لها رؤية سياسية وقوة عسكرية، وتلك العلاقة بين الدولة والسلطة من جهة، وبين الوطن والدولة من جهة ثانية تمثل لبّ النقاش الدائر في الجزائر الآن.

ولكون أن تلك العلاقة لا تزال غير مُحدّدة على مستوى التطبيق وفي مجال الحقوق، رغم أنها مبيّنة دستوريا، وعبر المنظومة القانونية، وفي مختلف المؤسسات القائمة، كان لا بد من توضيحها عبر مساءلة للأحياء، كما ذكرت في بداية المقال، ومن هنا يمكن لنا النظر إلى الحلقات المسلسلة التي أجرتها قناة الشروق مع اللواء المتقاعد وزير الدفاع الأسبق خالد نزار، الرجل القوي في النظام الجزائري خلال الفترة بين 1990 و1994، والذي يُتّهم بأنه كان وراء الانقلاب على نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت في ديسمبر 1991، وفازت الجبهة الإسلامية للإنقاذ بما يقارب 80 بالمئة من المقاعد في جولتها الأولى.

وبعيدا عن تلك المعلومات الدامغة لأطراف كثيرة لا زالت تصنع المشهدين العسكري والسياسي في الجزائر، وبغض النظر عن مصداقيتها، وأيضا عن حياديتها أو حتى اختلافها مع الكثير من التصريحات التي جاءت على ألسنة شركاء خالد نزار في اتخاذ القرار، أو على الأقل إبداء أرائهم بخصوص مصير البلاد، فإن تلك الشهادة كسرت حاجز الصمت، وأنهت مخاوف الميراث المر من طرح الأسئلة، والأكثر من هذا صحّحت بعض المعلومات الخاطئة، وأقامت الحجة على الآخرين التيار الإسلامي، الذي قدّم نفسه خلال السنوات الماضية بأنه ضحية لمؤسسة عسكرية باطشة، تقوم سياستها على الإقصاء.

ليس مهما أن نتفق مع ما ذكره اللواء خالد نزار، بل إن كثيرين قد يختلفون معه، وهناك من يشكك في كل تصريحاته وشهاداته، لكن للإنصاف لا يمكن إنكار تمتّعه بجرأة لم نعهدها من المسؤولين الجزائريين، وأنه لا يتنَّصل من مواقف اتَّخذها كانت في نظر البعض وبالا على الدولة الجزائرية، ويعتقد جازما أنه على حق، ويتكلم بلغة الواثق من نفسه والمحتفظ بوثائق تدعم كل مواقفه بغض النظر إن كانت صائبة أو خائبة.

لقد سبق لخالد نزار أن أدلى بشهادته في الكثير من التصريحات، وفي كتب نشرها خلال السنوات الماضية، أي منذ إحالته على التقاعد، لكن حلقاته مع الشروق تعدُّ الأطول لجهة الحديث إلى وسائل الإعلام، والأكثر صراحة مقارنة ببقيَّة العسكريين الجزائريين السياسيين منذ الاستقلال إلى الآن، ناهيك عن أنه نقل الجزائريين من أحاديث المجالس الخاصة أي من الكواليس، إلى مخاطبة الرأي العام بشكل مباشر، وكأنه بذلك يستبق اتهامات ستوجّه لبعض قادة الجيش الذين كانوا في السلطة أيام العشرية الدموية. إنه لا يأتمن السلطة الراهنة بقيادة عبدالعزيز بوتفليقة، وذلك قياسا مع ما قام به تجاه المؤسسة الأمنية، وخاصة الجنرال توفيق، بالرغم من أن نزار اعترف بتغيير شهادته حول دور بوتفليقة أيام الثورة من أجل مصلحة البلاد على حدّ زعمه.

مهما يكن تقييمنا لشهادة خالد نزار على خلفية مرور 24 سنة على تعليق ثم إلغاء نتيجة أول تجربة انتخابية تعددية في الجزائر فاز فيها التيار الإسلامي، فإنها كشفت لنا جملة من الحقائق، يمكن ذكر بعضها على النحو التالي:

أولا؛ تَمكَّن خالد نزار من فرض نفسه باعتباره صاحب رؤية سياسية وليس قائدا عسكريا فقط، وهو ما عجز عنه أمثاله من القادة العسكريين.

ثانيا؛ إصراره على صواب قراره بخصوص إبعاد الإسلاميين عن السلطة، وذلك بعد دخوله في حوار مباشر معهم لأجل أن يكتفوا بثلاثين بالمئة من المناصب الحكومية بعد وصولهم إلى الحكم، وهو ما رفضوه.

ثالثا؛ إعلانه بشكل واضح عن مواقف الكثير من السياسيين وعلى رأسهم الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، وتأكيده على استقالته بعد فوز جبهة الإنقاذ، وليست إقالته كما يشاع.

رابعا؛ تحدّيه لكل الأطراف المشاركة في الأزمة الجزائرية أن تُفنّد ما أدلى به، أو تُبدِّله، أو تأْتي بغيره.

خامسا؛ إظٍهاره لدور الجيش، ومشاركته في الحياة السياسية، وأنه بالفعل صانع للرؤساء في الجزائر.

سادسا؛ إبْرازه لقدرة العسكريين في الحديث بلغة سياسية، تدحض مزاعم السياسيين المتمثلة في اتهام قادة الجيش بالجهل السياسي.

مثيرة المعلومات التي سردها خالد نزار، ولا ندري إن كانت سترقى إلى حقائق، لكن قطاعا واسعا من الشعب تفاعل معها، خاصة وأنه في حاجة لمعرفة من المسؤول عن أزمته، وينتظر إجابة لسؤال من أشعل فتيل الحرب الأهلية؟

لا شك أن اللواء خالد نزار قد كشف عن الكثير من أبعاد الأزمة، وعلى الآخرين الرافضين لشهادته، تفنيد أقواله بالأدلة.

كاتب وصحفي جزائري

8