مهاباد.. لا شيء هادئا على الجبهة الإيرانية

السبت 2015/05/16

للبشرية شيء من الحلم حسبها أن تعيه، كي يتحول إلى حقيقة. مقدمة الكتاب الإيراني محفوظة عن ظهر قلب من الجميع، محتوياتها معلومة واضحة؛ ثورة إسلامية، وعداء لقوى الاستكبار وشيطان أكبر وأصغر، وتحالف بين عمائم وبازار، ومقاومة وممانعة، وما بينها سعي معلن ومضمر لتصدير الثورة وتوابلها.

للكتاب الإيراني فصول أخرى وخواتيم قادمة حتما. في الكتاب الإيراني الذي يفترض أن يقرأ كاملا بدل الاكتفاء بالتوطئة، فصول غير ذات موضوع بالنسبة للبعض ممن يغمضون العيون على الفواجع، فصول تلغى أو تهمل أو تطوى ورقاتها على عجل. دولة أمة، استعارت ثورتها من ثغرات السياسة والتاريخ وقدمت درسا في الاختلاس. دولة أمة، لا تتوفر على مقومات الأمة، وتطحنُ شعوبا تعيش بين ظهرانيها، وتجبر على رفع علمها وترديد شعارات وردت في مقدمة الكتاب.

ما يحدث في مهاباد من احتجاج توسع إلى غيرها من المدن والأقاليم الكردية وغير الكردية، والمترتب عن انتحار فرياز خسرواني في الخامس من هذا الشهر، وبصرف النظر عن دواعيه وتداعياته القادمة، هو أساسا كشف غطاء عما يعتمل داخل الوعاء المجتمعي للدولة الإيرانية.

طبيعي أن تحتوي الدولة، أي دولة، على تكوينات مختلفة تتجانس وتتعايش وفق مفهـوم المواطنة بكل ما يعنيه من حداثة وترفع عن الانتماءات التقليدية، لكن المثال الإيراني في هذا الصدد لم يحصل بقوة التراكمات التاريخية، بل صنع عنوة بقوة الاستعمار والاحتلال بكل ما تعنيه الكلمة من صلف. مفيد هنا التذكير أن جمهورية إيران التي تجاوز عدد سكانها عتبة الـ80 مليون نسمة، تتشكل من أقليات دينية عديدة فضلا عن الأغلبية المسلمة (يهود ومسيحيون بهائيون ومندائيون وزرادشتيون وغيرهم) وهذا طبيعي ومعتاد. لكن مقولة الشعب الإيراني تتبدد إذا علمنا أن الدولة تتكون أيضا من شعوب أخرى (عرب وأكراد وتركمان وأرمن وبلوش وغيرهم) ضموا إلى الفضاء الإيراني بالقوة، وفرضت عليهم اللغة الفارسية كما فرض عليهم لاحقا ببركات الثورة الخمينية، التشيع السياسي وفق الرؤية الإيرانية، وهو ما تسميه الأدبيات الرافضة للهيمنة الإيرانية في تلك الأصقاع بـ“التفريس”.

حادثة انتحار فرياز خسرواني في مهاباد هي مقدمة موجة احتجاج جديدة تعمّ إيران، سرعان ما تفاعلت معها بقية المدن الكردية، كما بقية المحافظات الرافضة للاحتلال الإيراني، وهي احتجاجات تجاوزت الغضب المباشر من انتحار فرياز بعد تعرضها إلى اعتداء جنسي من قبل أحد عناصر الأجهزة الأمنية الإيرانية في فندق تارا في مهاباد، لتتحول إلى إدانة عارمة للسلوك الرسمي الإيراني مع الشعوب غير الإيرانية، وهو سلوك عدّ صورة من تعامل المحتلّ مع المحتَلّ. شيخ المجاهدين الأكراد في إيران، عبدالله حسن زاده، اعتبر أن ما يحصل، في مهاباد والمدن الكردية الأخرى “انتفاضة شعبية”.

انتفاضة مهاباد الشعبية، إضافة إلى التفاعل الكردي الواسع في إيران وخارجها مع اللحظة الغاضبة، مع ما يسود إقليم عربستان (التي حول رضا بهلوي اسمها عام 1925 إلى خوزستان) من اعتمال، فضلا عن التعامل الأمني العنيف مع التحركات الشعبية والعدد الكبير للمعتقلين على خلفية هذه التحركات، أفرزت مظاهر تتضافر لتشي بأن إيران تدخل مرحلة موسومة بالاضطرابات الداخلية التي يبدو أنها لن تكون اضطرابات عابرة كسابقاتها التي تم وأدها بسرعة وقوة وعنف.

نفيا لشبهة تهويل ما يحدث في المدن الكردية في إيران، الذي اعتبرته قراءات إيرانية من قبيل الـ”شماتة العربية”، نشير إلى أن التحركات توسعت إلى مدن كردية عديدة ولاقت تعاطفا واسعا وكبيرا من أصوات إيرانية داخل إيران وخاصة خارجها (“هاشتاغ إيران تشتعل” على تويتر الذي ينشر فيديوهات الأحداث والقمع الأمني قرينة على حجم التعاطف والمتابعة). بيانات المساندة من المعارضة الإيرانية بشتى أطيافها وانتماءاتها تحاول أيضا اعتبار الحدث أبعد من انتحار فتاة، بل هو تعبير عن سياسات إيران العنصرية تجاه الأقليات والمكونات المختلفة.

الجبهة الديمقراطية الشعبية الأحوازية أصدرت بيانا عاصفا اعتبرت أن إيران “سخرت كل ما لديها من إمكانات وقدرات طيلة ثلاثة عقود ونيف من انتصار ما يسمى الثورة الإيرانية على أن تستغل التنوع الطائفي والعرقي والإثني الموجود في المجتمعات العربية لتحطيم وحدة هذه المجتمعات، ونيران حقدها وصلت شعلتها إلى حدودها لاسيما في الشعوب غير الفارسية الواقعة تحت براثن استعمارها والتي تعاني ما تعاني من ويلات جراء الانتهاكات الشوفينية، التي تنتهك أبسط مبادئ حقوق الإنسان”. وهذا ما يتقاطع مع توقع عبدالله مهتدي، أمين عام حزب “كومله” الكردستاني الإيراني بأن تمتد انتفاضة مهاباد الكردية إلى الأحواز وبلوشتان.

في بيت القصيد المستنطق من الاحتجاج وما وراءه أن إيران الدولة التي تضم أقليات دينية عديدة وقوميات وإثنيات متعددة صهرتهم داخل وعائها السياسي بالقوة، تعاملت مع تلك المكونات بنزوع عنصري وطائفي متزامن. عنصرية مقيتة تجاه الشعوب غير الفارسية، وطائفية مغالية تجاه مسلميها غير الشيعة. مفيد التذكير هنا أن معاناة هذه الشعوب والأقليات بدأت منذ حكم الشاه، لكنها عرفت زيادة في منسوبها ونسقها بعد ثورة الخميني التي تتقن خنق الأنفاس، بنفس قدر حرصها على تصدير ثورتها.

الأصابع الإيرانية الممدودة خارج حدودها، العابثة بمصائر وسلامة دول عديدة دفاعا عن الطائفة أو ذودا عن المذهب، هي عامل آخر يضاف إلى تداخل وتشابك الحدث الإيراني، فقد أثارت مهاباد تعاطف مع من عانوا تبعات الصيد الإيراني المتكرر في المياه العكرة. ويكفي الاطلاع على سيل البيانات المتعاطفة مع مهاباد، ائتلاف قوى المعارضة السورية، مثلا، أعرب عن تضامنه الكامل مع انتفاضة مهاباد، وأشار إلى أن “قوات النظام الإيراني، بدلا من التحقيق في الجريمة وكشف ملابساتها، أقدمت على استخدام العنف في مواجهة الجماهير الغاضبة، ما زاد في اتساع نطاق الاحتجاجات، لتأخذ منحى انتفاضة شاملة ضمت 14 مدينة كردية حتى الآن”. هذا فضلا عن مظاهرات المساندة التي امتدت من قامشلي إلى استكهولم.

مهاباد، موقعة إدانة للنظام الإيراني وممارساته ضد الأقليات والشعوب غير الفارسية. وانتحار فرياز خسرواني فتح صفحات الصلف الإيراني داخل قلعة دأبت على تسويق مقولات مازالت تأسر بعض العرب أو تستهويهم، لكن الثابت أن مقاومة قوى الاستكبار العالمي والشيطان الأكبر والأصغر تفترض عدم اعتبار المذهب والطائفة معيارا لتصنيف المواطنين.

صفحة مهاباد حتى وإن طويت بمفعول القمع الرسمي الإيراني، فإن جروحا أخرى غائرة لم تندمل ستنتج حتما حمى في جسد إيراني يدعي السلامة من العلل الباطنية.

كاتب صحفي تونسي

9