مهاباد: وصفة لتفكك الجمهورية

الجمعة 2015/05/15

أحد عشر شهرا فقط، هو عمر جمهورية مهاباد الكردية التي قامت بعد الحرب العالمية الثانية (22 يناير 1946) في شمال غرب إيران وعاصمتها مدينة مهـاباد. اجتاح السوفيت في تلك الحقبة مناطق واسعة من إيران، فأطاحوا بالشاه رضا بهلوي (ارتضوا بابنه، فيما بعد، خليفة بشراكة مع بريطانيا). وضمن شروطِ لعبة الأمم آنذاك، رعى زعيم الكرملين جوزيف ستالين قيامَ الدولة الكردية بزعامة قاضي محمد ودعم مصطفى بارازاني (والد مسعود رئيس إقليم كردستان العراقي حاليا).

لم تصمدْ التوازنات التي أنجبت دولة مهاباد الكردية كثيرا. تراجعت موسكو، فأعدمت طهران قاضي محمد، فيما فر بارازني، وتبخر حلم الأكراد مجددا في قيام دولة لهم في البقاع التي يسكنونها منذ القدم في إيران وتركيا والعراق وسوريا.

لمدينة مهاباد حكاية قديمة تظلل الانتفاضة التي تشهدها شوارعها هذه الأيام. تعكسُ رواية “انتحار” فريناز خسروي لتلافي الاغتصاب، أو محاولة الاغتصاب، من قبل رجل أمن إيراني، تبرماً ينهل وجَعَه من بطون التاريخ، بما يمكن أن يفسر انتشار الانتفاضة الحالية في المدينة. ولمهاباد الكردية حساسية مستنفرة حيال الرياح الاستقلالية التي هبّت على الأكراد هذه الأيام، فأحالتهم رقماً أساسيا في المعادلة التركية، وواقعا انفصاليا في الحالة العراقية، وخصوصية لافتة تنمو أحيانا خارج السياقات في الحالة السورية.

تعايشت إيران وتركيا والعراق وسوريا على تناقض وتقاطع وتكامل وتخاصم بعد استقرار مخاض نشوئها في القرن الماضي. لكن أكراد هذه الدول عاشوا قضيتهم بصفتها عمودا فقريا جامعا تجاوز معضلات الجغرافيا والظروف الذاتية التي قد تميّز أكراد هذه الدولة عن أكراد دولة أخرى. تأثّر أكراد إيران بتطوّر ظروف أكراد العراق، كما بسيرورة علاقة أنقرة بحزب العمال الكردستاني (بقيادة عبدالله أوجلان من قبل وما بعد اعتقاله) في تركيا، كما بحراك الأكراد في سوريا. نذكر عام 2004 كيف سارت مدن الأكراد السنَة (عدد الأكراد حوالي 10 ملايين، 75 بالمئة منهم سنّة) تأييدا لانتفاضة أكراد سوريا آنذاك، رغم ذلك الحلف المتين الذي ربط، وما زال يربط، طهران بدمشق (للمفارقة وللتاريخ، لم تحظ انتفاضة الأكراد آنذاك بدعم بقية قطاعات الشعب السوري).

لا نعرفُ إلى أي مدى قد تذهبُ إليه الانتفاضة الحالية في مهاباد، ولا يمكن اعتبار الأمر ظاهرة عجيبة، طالما أن صدامات من هذا النوع تحدث في العالم، وتبقى شأنا أمنيا يتم علاجه، على ما شهدته مدنٌ أميركية مؤخرا (آخرها بلتيمور). بيد أن حدوثَ الأمر وفي خلفيته مشهد “الربيع” الذي اجتاح المنطقة منذ عام 2011، يوفر للحدث افتراضات مختلفة، ويتيحُ الذهاب بعيدا في مخيّلة من يخاطر في اقتراف أي تنبؤ أو استشراف.

يحملُ حراك مهاباد مروحة من الأبعاد لا شك أنها تقلقُ الحاكم في طهران. يتقدّمُ الحدث بصفته نتاجَ غضبِ مواطنين ضد ممارسات السلطة، بحيث يبدو الانفجار وليد قيْحٍ قد انفجر من توّرمٍ في شكل العلاقة التي تمارسها السلطة بحقّ مواطنيها. بدت محاولة الاغتصاب، التي جهدت السلطات للتبرؤ منها، نموذجاً نمطياً لتعفّن العلاقة بين حاكم ومحكوم، على ما قد ينسحبُ في الممارسة وردّ الفعل على السلطة/المواطن أينما كان في البلد.

لكن الحدثَ يطل، أيضا، بطابع قومي يذكّر بخصوصية الأكراد ثقافة ومزاجاً، وبتناقضهم التاريخي مع سلطة الفرس في طهران. يحملُ الجانب القومي في حراك مهاباد مخاطرَ عدوى قد تصيب بقية القوميات (العرب، التركمان، الآذزيين، البلوش.. إلخ) التي عاشت في إيران الشاه وتعيش في إيران الخميني-خامنئي، ضمن إطار تعامل الحكم مع الأقليات، والذي طالما حمل في ثناياه الخفيّة توترات لا تحتاج إلا لشرارة يوفرها جنون هذه الأيام لتنفجر على نحو يصعب لجم نهاياته (توقع عبدالله مهتدي، أمين عام حزب “كومله” الكردستاني الإيراني، أن تمتد انتفاضة مهاباد الكردية في إيران إلى الأقاليم غير الفارسية الأخرى).

البُعدَ الأخطر في حراك مهاباد يكمن في ذلك المذهبي الذي يشكله صدام سلطة شيعية بمحتجين سنّة. وخطورة الأمر تتمحور في أن الحدث، في صداه المذهبي هذا، قد يمثل رد فعل في قلب إيران على فعل لطالما اتُّهمت إيران نفسها باقترافه. فطهران عملت دون كلل، وفق مسوغات لا تنتهي، على دعم الشيعة في العالم العربي بصفتهم كتلة تمرد لمناكفة الأنظمة السياسية وبيئتها الاجتماعية الحاضنة، سواء تعلّق الأمر بدول الخليج (لاسيما البحرين) أو بالعراق (لدرجة تحميلها مسؤولية مبرر وجود داعش) وباليمن (الذي لم يعرف المذهبية السنّية الشيعية قبل ذلك) وسوريا ولبنان (وهنا الحكاية تطول). مذهبية الحدث في مهاباد قد تستدعي دعما مذهبيا عالميا، خصوصاً إذا ما حملت مياه الانتفاضة في المدينة الكردية الماء إلى طاحونة غضب سنّي داخلي عتيق، قد ينفجر في وجه سلطة الوليّ الفقيه في طهران.

وفيما تردد أن 14 مدينة كردية قد انضمت إلى انتفاضة مهاباد، تبدو طهران مرتبكة في مقاربة الأمر، بين جهود أمنية تؤدي إلى اعتقالات لمن قد تطلق ضدهم نعوت التخوين والعمالة، وبين خطاب رسمي مترددٍ في تفسير الحادث والواقعة (والوعد بتحقيق حول ظروف الأمر)، وبين السيطرة على صداه الدولي والإقليمي.

تقف إيران على مفترقِ طرقٍ عزيز بانتظار دؤوب لرفع العقوبات. تتوخى طهران هذه الساعات الدقة في انتقاء خياراتها وحساب خطواتها على الطريق المؤدي إلى التوقيع المتوخى على الاتفاق النووي العتيد. وسط هذه الورشة، يعملُ الإيرانيون على محاولة السيطرة على الحرائق التي تندلعُ في ميادين نفوذها في العراق وسوريا واليمن، وبالتالي إنقاذ تلك الإمبراطورية، التي لم تر النور، والحفاظ على متانة بعض أوراقها في المنطقة. وعليه، فإن النظام الإيراني منهكٌ، قد لا يحتمل تلك القلاقل الداخلية التي تنقلها شاشات العالم.

بالمقابل، وإذا ما فشلت سلطات طهران في القضاء على حراك الشارع في مهاباد، فإن أسئلة عتيقةً عديدة سترتفع إلى السطح قد تشكك بشرعية النظام السياسي وقدرته على الحفاظ على وحدة واستقرار البلاد. والأخطر أن طبيعة إيران المتعددة المذاهب والقوميات، تفترضُ في زمن الحريق الإقليمي الكبير، أن تروج فيها، وحولها، سيناريوهات شبيهة بتلك التي تزدهر هذه الأيام في العالم العربي، والتي تتحدث عن إسقاط القدسية عن حدود سايكس بيكو، كما إسقاط المحرّم في مسألة تشكلات القرن الماضي.

قد يروق للبعض أن يرى في مهاباد شكلا من أشكال “البوعزيزية” التي اندلعت في سيدي بوزيد في تونس عام 2011 وأسست لهذا البركان الذي ما برح يتفجر دون كلل. في المشهد الإيراني “بوعزيزية” تتأجج في بيئة اجتماعية (على عكس تلك التونسية) معقّدة حاضنة بالطبيعة لقلاقل يحتوي نسيجها على كل ما هو قابل للاشتعال. وسواء مثّلت مهاباد حاليا حكاية عرضية أو مفصلية، إلا أنها تكشف هشاشة النسيج الإيراني ووهنه في زمن كاد الشرق الأوسط أن يصبح فيه إيرانيا على ما بشّر أولي التبشير في طهران.

في أوائل التسعينات أعلن الأميركي فرنسيس فوكوياما “نهاية التاريخ” وشكى من أنه يشعر بالسأم. في إيران من أنهى قبل أسابيع التاريخ، وأعلن بغداد عاصمة لإمبراطورية متخيلة وكاد يشعر بالسأم. ربما عدم سقوط اليمن، وارتباك قاسم سليماني في العراق، وسقوط إدلب وجسر الشغور في سوريا، وتعثّر الخروج باتفاق نووي..، تثقل من اندفاعة الجمهورية الإسلامية، فيما تتقدمُ مهاباد نواةً لحكاية تفككِ جمهوريةٍ مؤجل.

صحافي وكاتب سياسي لبناني

9