مهاب مميش جنرال يقود سفينة قناة السويس وسط مشاريع البحر الأحمر الجديدة

السبت 2017/08/05
مهاب مميش رئيس الحكومة "القادم" الذي يخشاه رجال الأعمال

القاهرة- تتركز الأضواء اليوم على المسؤولين عن المشاريع المطلة على البحر الأحمر، بعد أن أعلنت المملكة العربية السعودية، الأسبوع الماضي، عن إطلاق مشروع سياحي عالمي في مياهها الإقليمية، تحت مسمّى “مشروع البحر الأحمر”.

وأعلن عن المشروع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ومن المقرر أن يتم وضع حجر الأساس للمشروع في الربع الثالث من العام 2019، والانتهاء من المرحلة الأولى في الربع الأخير من عام 2022.

وستتم إقامة هذا المشروع على أحد أكثر المواقع الطبيعية جمالا وتنوعا في العالم، كما ظهر في المواد البصرية التي أعلنت عنها الرياض، وسيجري التعاون مع أهم وأكبر الشركات العالمية في قطاع الضيافة والفندقة لتنفيذ المشروع. كما سيضم منتجعات سياحية على أكثر من 50 جزيرة طبيعية بين مدينتي أملج والوجه.

وعلى الضفة الأخرى للبحر الأحمر، قلما تجد رجل الجيش والقتال والمعارك ينجح عندما يخلع بِزّته العسكرية ويرتدي بدلة المدنيين في إقناع الكثيرين بدوره الجديد؛ دور رجل السياسة، غير أن الفريق مهاب مَميش رئيس قناة السويس ورئيس هيئتها الاقتصادية نجح في النهوض بهذا الدور، ما جعله يكتسب ثقة القيادة السياسية والجمهور العريض أيضا.

ورغم الابتسامة الواثقة الودود التي لا تفارق وجهه أبدا، إلا أن الفريق مميش هو أكثر من يعرف ثقل المهمة التي يحملها فوق كتفيه، وهي الإسراع بتنمية المنطقة الاقتصادية لقناة السويس والانتهاء من بنيتها التحتية في أقرب وقت استعدادا لتوافد المستثمرين لتوفير فرص العمل، ويدرك جيّدا كيف أن الرئيس السيسي يراهن على هذا المشروع الذي يراه بوابة إنجاز ما وعد به المصريين عندما تولى الحكم قبل ثلاث سنوات.

وليس سرّا أن مميش الذي تمر هذه الأيام 69 سنة على ميلاده حيث وُلد في أغسطس 1948، هو واحد من الدائرة الضيّقة المحيطة بالسيسي التي يضع فيها ثقته لاستكمال برنامجه السياسي والاقتصادي، وعندما يُذكر اسمه تتداعى إلى الذاكرة على الفور حقيقتان، أولهما أنه كان واحدا من أعضاء المجلس العسكري الذي حكم مصر في أعقاب ثورة 25 يناير 2011 إلى جانب آخرين، والثانية أنه عندما كان السيسي مديرا للمخابرات العسكرية كان مميش قائدا لسلاح البحرية، ما يعني أن الرجلين يعرف كلاهما الآخر تمام المعرفة.

قناة السويس الجديدة ورغم كل الانتقادات التي وجهت إليها حول عدم جدواها اقتصاديا، غير أن مميش يرى أنه لولا هذه القناة لخسر الاقتصاد المصري أكثر من مليار و600 مليون دولار، لأن السفن كانت ستظل

المشكلة أن هذا الصعود فتح الباب لتساؤلات كثيرة، بشأن اتساع الدور الذي يقوم به الجنرالات في الحياة المدنية المصرية، وكأن الرئيس لا يرى سواهم، وأن البلاد نضبت أن تنجب مثلهم في القطاعات المختلفة، لذلك تحول مميش إلى رمز للتغوّل في الحياة المدنية الذي أصبح أحد سمات نظام السيسي.

المدى الذي بلغته ثقة الرئيس في الجنرال الذي يشرف على قناة السويس تجلّى بوضوح فيما أعلنه مميش بنفسه، حيث صرح بأنه بعد أن عرض على رئيس الوزراء المصري السابق إبراهيم محلب فكرة إنشاء قناة السويس الجديدة تلّقى من السيسي مكالمة هاتفية قال له فيها الرئيس “أنت نِمت؟ .. أنا ماعرفتش أنام .. يلّا هاننفذ المشروع”.

في 29 أبريل الماضي أصدر الرئيس قرارا بتكليف الفريق مميش برئاسة الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية للقناة خلفا لرئيسها السابق الدكتور أحمد درويش، مع استمراره في منصبه كرئيس لهيئة القناة نفسها، ومنحه كامل الاختصاصات التي يمنحها له القانون، ما أثار تساؤلات عِدّة في حينها.

مميش تحدث عن هذا التكليف قائلا “عندما استمع الرئيس للعرض الذي قدمته أمام مؤتمر الشباب الذي عُقد بالإسماعيلية، على قناة السويس، العام الماضي عن المنطقة الاقتصادية للقناة، فوجئت باللواء عباس كامل، مدير مكتب الرئيس، يتصل بي ويقول: مبروك رئاسة الهيئة الاقتصادية، فسألته: وماذا عن قناة السويس؟ فأجاب: الاثنان معا”. ومن يومها لا يكاد يمر شهر أو شهران إلا والسيسي يلتقي مميش لمناقشته في أمر ما يتعلق بمشروع القناة.

تحديات هائلة

الجنرال مميش يستفز البعض لأنه يسير على درب لا يراجعه فيه الرئيس المصري

مميش يجمع في شخصيته بين الصرامة والحزم وبين الخبرة العلمية والعملية، ويمتلك دراية بقناة السويس وأسرارها وشؤونها حتى أنه يكاد يحفظ كل كبيرة وصغيرة عنها، منذ أن كان ضابطا صغيرا في البحرية المصرية التي ظل يتدرج في مناصبها إلى أن أصبح قائدا لها في عام 2007.

هذه الصفات ظهرت في موقفين بارزين، أولهما عندما لم تحقق القناة الدخل المنتظر منها في العام الماضي بعد افتتاح تفريعتها الجديدة، وتناثر القيل والقال عن جدوى حفرها إذن، ساعتها خرج على المصريين ليؤكد لهم بصراحة أن علينا أن نكون واقعيين لأن القناة مرتبطة بحركة التجارة العالمية والتي شهدت بعض البطء في ذلك العام.

أوضح الجنرال أن على مصر التعامل بمرونة، ووعد بزيادة الدخل في العام المقبل، وبالفعل ارتفعت الإيرادات في الرُبع الثاني من 2017 بنسبة 2.4 بالمئة، بل ووعد بما هو أكثر، وهو زيادة الدخل إلى أكثر من 92 مليار جنيه (حوالي 5.5 مليار دولار) خلال العام كله (القناة لم تكن قد حققت في عام 2016 إلا 5.3 مليار دولار)، وبرزت واقعيته في تأكيده على أن مصر كي تسير في الطريق الصحيحة عليها أن تعمل بشكل أكثر جدية لجلب الاستثمارات مما نحن عليه الآن، وقال “علينا أن نكون جاذبين للاستثمارات لا طاردين لها.. وسوف تشهد المرحلة القادمة تعديل المسار”.

أمّا التحدي الثاني الذي واجهه، فهو انسحاب الخطوط الملاحية الأجنبية من ميناء شرق بورسعيد، على قناة السويس. وهنا عادت الواقعية والنظرة العملية اللتين جُبِل عليهما الجنرال لتعالجا الأمور، موضحا أن هناك فرقا بين المشكلة وحل المشكلة، وسعى إلى التحاور مع أصحاب الشأن في تلك الشركات الملاحية، “نعم. لا مفر من الحوار. فلا أحد يمكنه الحصول على كل شيء، ولا بد أن يخرج الجميع بمكاسب مُرضية، وقد بدأنا في تنفيذ مطالبهم بالفعل”، وهكذا بدأت الأزمة تأخذ طريقها إلى الحل.

الانضباط في ردة الفعل

حِنكة الجنرال مميش السياسية ومهاراته تمثلت في ردوده الهادئة المتّزنة على أسئلة الإعلاميين وفي مؤتمراته وتصريحاته، إذ لم يسمع منه أحد تهويمات لفظية إنشائية خالية من المضمون ككثير من السياسيين، بل هو يحرص دائما على استخدام الأرقام والإحصائيات المشفوعة بالخرائط والوثائق، كما أنه لم يقع أبدا في فخ الاستدراج أو الحديث فيما لا يعنيه، ولسان حاله يشي طوال الوقت بأنكم أيها الإعلاميون إذا أردتم الحقائق فأهلا وسهلا، أما إن كنتم تريدون تصريحات عنترية تزيدون بها نسب مشاهديكم، فابحثوا عن شخص آخر غيري.

مميش الذي تمر هذه الأيام 69 سنة على ميلاده حيث وُلد في أغسطس 1948، هو واحد من الدائرة الضيّقة المحيطة بالسيسي التي يضع فيها ثقته لاستكمال برنامجه السياسي والاقتصادي

عندما أرادوا استدراجه فسألوه عن كلام تردد بأن مشروع القناة الجديدة لم يكن له داعٍ، وأنه كان يمكن تأجيله، ولم يأت لمصر بالفائدة المرجوّة، رد بعبارات واضحة، فقال “مصر في المرحلة القادمة تحتاج إلى أن تعلو فيها أيادي البناء وليس معاول الهدم، ولولا الرئيس وثورة 30 يونيو 2013 لكنا جميعا الآن فوق قضبان السكك الحديدية نبحث عن قطارات تنقلنا إلى بلد آخر كما يحدث في بلدان مجاورة لنا”.

رغم كل الانتقادات التي وجهت للمشروع وعدم جدواه اقتصاديا، فإنه كان يضرب بها عرض الحائط، ويرى أنه لولا هذه القناة الجديدة لخسر الاقتصاد المصري أكثر من مليار و600 مليون دولار، لأن السفن كانت ستظل واقفة على جانبي القناة القديمة لفترة أطول، وتساءل “كيف يمكن أن نسمح لأنفسنا بالاعتماد على طريق واحدة فقط للعبور؟ ولعلمكم الأموال لا تأتي هكذا بين يوم وليلة أو في عام واحد”.

لعل ما يقرّبنا من فهم مفاتيح شخصية الجنرال التي تتسم بالهدوء وضبط النفس في ردود الأفعال وعدم الميل إلى العصبية أو التسرّع في موقفه عندما عرف أن الرئيس السابق محمد مرسي، قرر عزله من قيادة القوات البحرية في عام 2012، وتعيينه كرئيس لهيئة القناة ما مثّل مفاجأة له.

صرّح مميش في أحد حواراته التلفزيونية بأنه علم بالقرار وهو في غرفة نومه، وأبلغه به سكرتيره، قال مميش “كنا يومها في رمضان، فقلت نعمة وفضل من الله”، وحينما سألته المذيعة هل كان قد قدم استقالته لمرسي قبلها، رد قائلا “أنا مصري حر. ولا يمكنني أن أهرب من المسؤولية في الوقت الحرج”.

رجل المهام الصعبة

المصريون الذين تابعوا أحداث ثورة يناير يوما بيوم لا بد وأنهم يذكرون لمهاب مميش أنه كان الرجل الذي نجح في تأمين حدود مصر البحرية وموانيها وممراتها البحرية الاستراتيجية إبّان الثورة، وتلك كانت مهمة غاية في الخطورة والصعوبة، إذ أن الأوطان في حالات الاضطراب والفوضى الداخلية تكون في أمسّ الحاجة إلى من يحمي ظهرها، وإلا تعرّض أمنها القومي لخطر جسيم.

نهض الرجل بالمهمّة، ومن يتذكر كيف تعرضت بعض موانئ النفط المصرية ومنصاته للغارات من قبل البلطجية الخارجين على القانون، ما هدد تجارة مصر ونقل البضائع من الموانئ إلى الداخل المصري لسد احتياجات المواطنين. فمن الذي أنجز تلك المهمة؟ إنه سلاح البحرية الذي كان يتولى قيادته آنئذٍ مهاب مميش.

ويذكر له كثيرون أنه القائد الذي حمى منصات الغاز الطبيعي وحال بينها وبين التوقف عن العمل، ومعلوم كيف أن الغاز هو عصب حياة المصريين، سواء فيما يتعلق بإنتاج الكهرباء أو بإدارة المصانع والمنشآت والكثير من وسائل النقل والمواصلات، ولأنه كانت هناك حركة دؤوبة من جانب الأجانب العاملين بهذه المنصات للرحيل عن مصر خوفا على أنفسهم، كانت المنصات مهددة بالتوقف، إلا أنها لم تتوقف.

والأكثر من ذلك أن القوات البحرية نجحت في تأمين المجرى الملاحي لقناة السويس نفسها، بالتعاون مع قوات الجيش الثاني الميداني وقوات حرس الحدود، وساعتها صرخ القائد مميش في وجوه الجميع “حذارِ. فإن أمن قناة السويس خط أحمر لن نسمح لأحد بتجاوزه مهما كان الثمن”.

الحرب مع رجال الأعمال

مشروع البحر الأحمرمن المقرر أن يتم وضع حجر الأساس له في الربع الثالث من العام 2019

كفاءته كانت وراءها دراسته الأكاديمية وخبرته الميدانية العريضة، فالرجل كما تقول سيرة حياته في الموسوعات والمواقع الإلكترونية على الإنترنت، بدأ ضابطا بعد تخرجه من الكلية البحرية المصرية عام 1971، ثم ظل يتدرج في المناصب إلى أن أصبح قائدا لسلاح البحر.

على مستوى التأهيل العلمي يحوز على حافظة ممتلئة بالشهادات والدرجات العلمية، فقد حصل على دورات في علم الغوّاصات، وماجستير في العلوم البحرية، ودرجة الزمالة الأكاديمية من أكاديمية ناصر العسكرية بالقاهرة، فضلا عن سفره في بعثات علمية وتدريبية إلى الخارج، خاصة بالولايات المتحدة الأميركية وتلقى فيها خمس دورات.

ليس سياسيا فقط، وليس رجل عسكرية فحسب، بل هو اقتصادي كذلك، ويكتشف من يستمع إليه وهو يشرح اقتصاديات القناة أنه عقلية اقتصادية متعمّقة، هو يخاطب رجال الأعمال الراغبين في الاستثمار بإقليم قناة السويس، يشدد على ضرورة احترام القوانين والمصالح المصرية، حتى أن البعض منهم بدأ يشعر بالخوف من ارتكاب أي خطأ قانوني.

يؤكد على أنه إذا كانت ثمة تسهيلات تُعطى فلن يكون هذا على حساب مصلحة الاقتصاد الوطني، والقوانين لا تتضمن ممالأة أو مجاملة لأحد أيّا كان، لا من المستثمرين المحليين ولا من الأجانب، ويجب احترام لوائح الجمارك والضرائب والرسوم لأن الهدف الأساسي تنمية الاقتصاد وخفض عجز الموازنة وخلق فرص العمل، فإذا التزم الراغبون في المشاركة وفق تلك الشروط فسوف يلقون من مصر كل ترحيب، أما من جاء لمجرد الكسب السريع ثم الرحيل فعليه التفكير مرتين.

لكنه يحرص في بعض تصريحاته الصحافية، على القول إننا في مصر يجب أن ندرك أن المستثمر لن يأتي إلينا لسواد أعيننا وإنما راغب في الكسب بالأساس، وبالتالي فإن علينا أن نتحلى بالمرونة في قوانيننا، ونقدم التسهيلات والمغريات التي تجذب هؤلاء. ما يرتبط بالتخطيط السليم، أو بالاهتمام بالبنية التحتية، أو بدراسة الأسواق المحيطة بنا، وليس عيبا أبدا أن نتعلم من تجارب الآخرين، وهو ما سوف نحرص عليه في الأيام القادمة.

مميش الناجح والهادئ يستفز البعض لأنه يسير على درب الرئيس المصري دون أن يراجعه وينفذ الأوامر التي تلقى عليه كأنه لا يزال يحتفظ برتبته العسكرية أو في ميدان المعركة، يتلقى التعليمات دون الدخول في تفاصيلها، لذلك يعتقد أنه يمكن أن يكون رئيسا للحكومة المصرية، فهو يجمع بين مزايا كثيرة تبدو مريحة للرئيس السيسي.

12