مهاجرون تونسيون يعودون من مطاردة وهم الثراء في أوروبا

مازال حلم الهجرة يراود الشباب في تونس، فهم يريدون تحقيق مستقبل أفضل في أوروبا كأولئك المقيمين فيها والذين يعودون منها بالسيارات ويقضون عطلاتهم الصيفية في أحسن الظروف.
الاثنين 2018/03/12
من الوطن إلى الزنزانة

تونس- قدور شاب تونسي أصيل منطقة الشمال الغربي اختار الرجوع إلى حضن الوطن بعد مغامرات له في دروب الهجرة غير النظامية. هو الآن يعمل على إقناع شباب آخرين بالعدول عن الارتماء في “محرقة وهم الهجرة” بالسعي إلى تحقيق أحلامهم في بلدهم.

قدور ليس الوحيد الذي اختار العودة، كثيرون اكتشفوا أن أوروبا ليست هي التي حلموا بالحياة فيها وجمع المال، فآثروا العودة عكس الذين اختاروا انتظار فرصة تحقيق ذاتهم في بلاد الغربة خوفا من العودة بيد فارغة وأخرى لا شيء فيها.

يذكر أن العديد من الشباب التونسيين اُجبروا على العودة القسرية بعد أن اُلقي عليهم القبض في فرنسا وإيطاليا وألمانيا ومازال أغلبهم يبحثون عن فرصة جديدة في رحلة غير شرعية يعتقدون أنها ستنجح لأنهم اكتسبوا خبرة من تجربتهم الأولى. يقول قدور إنه أدرك أخيرا أن الطيور دائما ما تعود إلى أعشاشها وأن الحلم الأوروبي مجرد سراب.

حلم الهجرة يدفع الشباب إلى مغامرة في رحلة غير شرعية يسميها العائدون باختيارهم منها أنها رحلة الموت، فبلدان أوروبا ليست موطن الأحلام والثراء، بل هي موطن المعاناة والشقاء، كما يقول الذين عاشوا التجربة، مؤكدين أن لا بلد تحتمل مهاجرين دخلوا لها بشكل غير نظامي.

راوده الظفر بـ”مغانم أوروبا” منذ الصغر وخاض مغامرات دامت 6 سنوات قبل الثورة للاستقرار في بلدان أوروبية، لكنه ما لبث أن قرر العودة طوعا إلى تونس ليهنأ بحياة ما كان يحلم بها في القارة الأوروبية.

درس قدور في بلدة تاجروين الصغيرة من محافظة الكاف، أغلب المتساكنين في القرية يعملون في أوروبا وخاصة في فرنسا.

كانت وضعية عائلة قدور صعبة للغاية، مؤكدا أنه أحيانا لا نجد نقودا لشراء حذاء أو ميدعة للذهاب إلى المدرسة. يقول، “نحن ثمانية أفراد في العائلة وأبي لا يملك المال الكافي ليلبّي حاجاتنا.. جعلتني ظروفنا القاسية أفكّر في حلّ الرحيل لتحسين وضع العائلة المادي”.

سيطر التفكير في الهجرة على مهجة الشاب، لكن استحالة حصوله على تأشيرة اضطرّته إلى التخطيط للوصول إلى أوروبا، متجنّبا (حتى في تخطيطه حسب روايته) طريق البحر الذي يمثّل المسلك الكلاسيكي للمهاجرين التونسيين غير الشرعيين.

يقول، “كان لي صديق ذهب إلى تركيا وأوعز إليّ أنه من السهل الذهاب من تركيا إلى أوروبا فاستخرجت جواز سفر ثم سافرت إلى تركيا”. تعرّف قدور في تركيا على كثير من المهاجرين وحاول بصحبتهم ولمدة شهور الوصول إلى بلدة سالونيك في اليونان، “فمن هناك لا يمكنهم ترحيلنا” كما يؤكد قدور.

باءت كل محاولات الوصول إلى تلك البلدة بالفشل، ولم ييأس قدور ورفاقه من البحث عن دروب أخرى وتمكّنوا ذات محاولة من دخول بلغاريا التي مكث فيها سنة كاملة.

طفق يروي عن معاناته في البلدان التي نجح في الوصول إليها فقال، “تم القبض علينا من قبل السلطات البلغارية وقضيت 5 أشهر في السجن.. كانوا لا يتورّعون عن ضربنا وإهانتنا وكثيرا ما حرمونا من الأكل”.

يتابع حديثه لوكالة تونس أفريقيا للأنباء (وات)، “اضطررت في أحيان عديدة إلى انتحال شخصية أخرى فالاستظهار بالهوية الحقيقية يعني ترحيلي مباشرة. التقيت العديد من المهاجرين وبدأت مغامرة التنسيق بين المهرّبين والمهاجرين لأنني خبرت المسارب إلى البلدان المجاورة لأوروبا الغربية لكثرة ما جبتها، تجشّمت عدة مخاطر وتمكّنت من النفاذ بيسر إلى كل من ألمانيا والنمسا”.

رحلة تبدأ بالعذاب وتنتهي بالعذاب
رحلة تبدأ بالعذاب وتنتهي بالعذاب

سوء الحظ الذي حوّل حلم قدور إلى رحلة معاناة حوّل حياة مهاجرين تونسيين غير شرعيين إلى جحيم، فحمادي غزال الذي غادر البلاد في سفينة صيد متهالكة سنة 2009 أرسلت بهم على السواحل الإيطالية، ثم تمكّن حمادي من الوصول إلى العاصمة الإيطالية روما ليجد بعض من أصدقائه الذين لا يملكون وثائق إقامة، ظن في بادئ الأمر أن حياته ستهنأ معهم لكن ظروف إقامتهم في منازل متداعية في الشتاء القارس جعلته يتأكد أن لا شيء سهلا في بلاد الغربة، أو “بلاد الناس” كما يسمّيها حمادي، فقط لأنها ليست بلده.

تجربة حمادي امتدت لسنوات طويلة بحثا عن الحصول على إقامة وعمل شريف لكنها في كل مرة تضعه في الوضع السيء الذي لا يريده، وهي تجارة المخدرات التي امتهنها ليعيل نفسه، وظل لفترة طويلة يبيع القطع الصغيرة من مخدّر القنب الهندي التي لا توفر عائدا ماليا بقدر ما تفتح أبواب السجن لسنوات.

لم يجن حمادي مالا ولم يحصل على إقامة ما جعله يختار العودة عن طواعيّة لبلاده واستقرّ بالعاصمة يعمل في تجارة الملابس في الأسواق الأسبوعية، ثم فتح محلا لبيع إكسسوارات الهواتف الجوالة، يقول إن “تجارتي تتطوّر شيئا فشيئا، تمكّنت من الاستقرار في بلدي وما حلمت به وجدته في حضن بلدي، فلماذا أفكر في الهجرة مرة ثانية؟”.

وفي حين اختار حمادي الاهتمام بتجارته، تحوّل قدور الذي أصبح في الأربعينات من العمر الآن من مهاجر غير شرعي ومهرّب للمهاجرين إلى ناصح يحاول صد أبناء بلده عن الرحيل والتخلّي عن فكرة اقتحام مسالك الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا والبقاء ويقنعهم بالعمل في وطنهم تونس.

يقول كأنما ينهل كلماته من نبع تجربته المريرة، لجمع من الشبان “قد يكون الرحيل عن الوطن حلا، وربما يراه الكثيرون من الشباب في تونس الوسيلة الوحيدة لتحقيق أحلامهم التي تتلخّص أحيانا في الثراء والحرية، لكن ليس كل من يهاجر إلى أوروبا ينجح، قد يتلقفه الرصيف والعراء أو ربما يأوي إلى أوكار الجريمة والإدمان”.

“أنا اليوم في بلدي اشتغل في مهنة الطلاء، وما فتئتُ أتطوّر ووضعي المادي يتحسن، بل تحسن بشكل أسرع مما كنتُ عليه في أوروبا، لقد حققت هنا أشياء منذ 2011 لم أستطع تحقيقها في أوروبا”. التفت قدور يوجّه الحديث إلينا “ألتقي عديد الشبان الذين يعتزمون الهجرة وأجتهد في إقناعهم بالعدول عن التيه في هذا الوهم. علمتني التجربة أن الهجرة غير النظامية رحلة نحو المجهول وربما سفر قريب إلى مواطن الموت”.

ألف درب لمن يريد النجاح والاستقرار في تونس
ألف درب لمن يريد النجاح والاستقرار في تونس

 

20