مها العتوم.. الشاعرة التي اصطادت الزرقة بشباك القصيدة

الأحد 2013/12/15
الصورة ركن أساسيّ في قصيدة العتوم

بغنائية عالية، ورومانسية عميقة، وإيقاعات متدفقة، ولغة ذات مفردة طازجة وعبارة فاتنة، بهذا كله وبسواه من التقنيات الشعرية، تكتب الشاعرة مها العتوم قصيدتها، بل نشيدها الموغل في الحياة، المتعمق في الحُبّ في صوره المتعددة، العذري والحسّيّ، المغمّس بالوَجد والحنين والعذابات.

تكتب الشاعرة ذاتها من خلال علاقتها بـ"آخَرها"، فالآخر شديد الحضور في قصيدتها، في شعرها عموما، وفي مجموعتها الجديدة "أسفل النهر" خصوصا. وهي صاحبة صوت من أبرز الأصوات الشعرية التي ظهرت في التسعينات، وواصلت تطوير أدواتها.

وهو ما سأحاول تجلية بعض تفاصيله في هذه القراءة.

الديوان صادر في 180 صفحة من القطع المتوسط، ضمن سلسلة "إبداعات" الشهرية عن وزارة الثقافة الأردنية، وفي القصيدة التي حمل عنوانها أسفلَ النهرِ.. نقرأ: قد تَجدينَ سَماءً تخصُّكِ وحدَكِ/ فاكْتَرثي بالنُّهوض إليها/ ضَعي قَمرًا في ثيابك/ ثُمّ اعصُري/ ما تبلّلَ منها ومنكِ/ وخِفّي إلى الَّليلِ/ كَيْ يَتَهادى إلى أسفلِ النهرِ/ قربكِ: في الليل تغدو الجميلاتُ أجملَ/ رائحةُ الوردِ تغدو بطول الممرِّ/ وينسحبُ الموتُ من كثرة الماءِ/ حولكِ/ حَولي/ هُنا أسفلَ النهرِ/ مرتعُ عشتارَ/ والقَيّمينَ على النارِ والسرّ… يخطفُ بحرًا بأسماكِهِ (…)/ مُضطجَعُ الجنّ والشعرِ/ تَستندين إلى كتِفِ الكونِ/ لا تأبهين بما أخذَ النهرُ/ حتّى يوسّعَ قلبَكِ _ منكِ الخ".

في هذا المقتطف من نص الشاعرة، تتجلّى روحها، وتنجلي عن مقدرة عالية في التصوير بالعبارة الشفيفة، ولكن البسيطة التي هي بنت الحياة البسيطة أيضا، فلا فذلكات لغوية بل لغة تتدفق كماء النهر السلسبيل العذب الذي تغوص إلى أسفله، أو كالسماء التي تخصُّها وحدَها، وفي هذا جانب من خصوصيتها التي تجعل نصها يبدو مألوفا تماما، بينما هو نصّ تأمُّليّ يدعو قارئه للغوص والتأمل في أعماقه البعيدة والقريبة في آن. هذه المقدرة العالية على تطويع المفردة والعبارة، هي نتاج وعي حادّ باللغة، وثمرة من ثمار تجربة شعرية وحياتية غنية بالتفاصيل الصغيرة، خصوصا على المستوى الشعوريّ للشاعرة، فهي توغل في سرد الذات وعلاقتها بالـ"الآخَر" الذي تبدو الشاعرة شديدة الامتلاك لعوالمها معه، لتجربتها فيه ومن خلاله، تجربة لا تتوقف عند الوصف الخارجي لتفاصيلها، وليست تصويرا سطحيا للملامح، بل غوص في أعماق الذات لاستخلاص لالئ خاصة جدا، وعلى قدر من الغموض الواضح، والوضوح الغامض، وغير المباشر، والذي يمنح لذة التأمّل بعمق.

الصورة ركن أساسيّ في قصيدة العتوم، وهي صورة طازجة، طالعة من رحم التجربة، لا من الذهنية الجافة، التصوير هو لغة ذات خصوصية مستمدّة من طريقة بناء الجملة، ومن طبيعة المفردات التي تبني الشاعرة عبارتها بها، بتكثيف شديد حينا، كما في هاتين العبارتين "حياتيَ ذاكرةٌ/ والكتابةُ نسيانُها"، اللتين تختزلان عوالمها كلّها، وباستطراد في التصوير والسرد حينا آخر.

الشاعرة لعبت على الثنائيات الضدية

ومما يميز هذه التجربة الشعرية، لعب الشاعرة على الثنائيات الضديّة، فهي تعي الحياة بوصفها قائمة على هذه الثنائية، وتنغمس فيها حدّ التصوّف، من دون أن تنسخ عبارة النفّري الشهيرة عن الضيق والاتّساع "اتّساع النوافذِ/ ضيّقَ قلبي"، أو تلعب بصور المكان، لتبرز نفورَها من الراكد والعفن، فهي تستخدم التشبيه لتؤكد الحالة التي هي ضدّها "كأنّكِ ضدّ المكانِ/ وضدّ التمكّنِ من أيِّ شيءٍ/ وفي أيِّ شيءٍ/ وضدّ العفونةِ/ ممّا تكّدسَ حتّى تقدّسَ/ حتّى تلاشى".. مؤمنة بأن الإنسان لا يعبر النهر نفسه مرتين "قد لا تعودين نفسَكِ".

ومع التغيير الذي يبلغ مداه عند مطالبتها لتيسير سبول، في قصيدة تحمل اسمه بتغيير أبيه "غيّرْ أباكَ الّذي/ لا يُريدُكَ إلّا كما يشتهي/ أن تكونَ"! أو كيف ترى نهايات البشر في هذه الصورة "عندَما يَصدأُ الناسُ/ يمضون للمَوتِ"، وحتى هذا التشبيه الذي يعبر عن ذلك الرفض للتكرار "تَعافَ../ كما تتعافى الطريقُ/ من الخُطُواتِ القديمةِ". بل إنها تدعو إلى التخلص من فكرة/ كذبة الوطن "دعْ كذبةً/ لا تُسمّى – سوى في المنامِ –/ الوطنْ/ ومُدَّ يديكَ لتصحو".

ولا تملّ الشاعرة من تكرار ثيمة الثنائيات، في صور كثيرة مختلفة، وصولا إلى التناول الشعري لثنائية اللفظ والمعنى "وقد أتنازلُ عمّا قصَدتُ بشِعري/ لتَبقى المسافةُ واضحةً/ بينَ لفظٍ ومعنى"، مثلا، أو "الحبُّ كالشعرِ: تأتي المعاني على قَدْرِ ألفاظِهِ"، أو هي تؤكد على هذه العلاقة بين الحب والشعر "حياتي تَمرُّ كأحلامِ أنثى مراهقةٍ/…/ أفتّشُ في الشعرِ/ عن فارسي العربيّ"، وبقدر ما تنطوي قصيدة مها على التلميح والإيحاء، فهي لا تتورع عن التصريح بمشاعر الأنثى "ما زالَ في القلبِ حبّةُ قمحٍ/ ولم يأتِ طيرٌ لينقُرَها".

وتوغل في تصوير العلاقة عبر تشبيهها بالعلاقة بين الغيم والبحر "حينَ يَسيرُ المعنى مُنكسرًا/ ووحيدًا أكثرَ/ أدركُ أنّ البحرَ بعيدٌ جدًّا/ عن غيمتِه". أو كما تتصور في قصيدة/ ثنائية "حرب وحبّ" المفعمة بالأسئلة الحارّة "عمّ نكتُبُ في الحربْ؟/ عن هزائمِنا الداخليّةِ في الحُبِّ/ عمّ نكتُبُ في الحبِّ؟/ عن عواطفِنا المرَضيّةِ في الحربِ..".

وتحفل المجموعة برغبة شعرية عارمة في إعادة العناصر إلى أصلها، عودة العطر إلى الحديقة، "لو نستعيدُ الطبيعةَ/ منذُ امتزاجِ الترابِ مع الماءِ/ لو نستعيدُ طبيعتَنا"، تقول البطلة في القصيدة.

وكمن يستسقي الغيث، تهمس قصيدة في أذن عاشق/ معشوق "اسقِني/ مثلَ جذرٍ قديمٍ قديم/ سماءً بأكملِها/ لترقَّ العروقُ"، هنا تكمن المقدرة على الإدهاش والمفاجأة للقارئ.

وكما تغني الشاعرة وتهدي قصيدتها "إلى شهيدة سورية: قطَفوكِ عن الغُصنِ/ يا عارَ من قَطفوكِ/ لكي تُثمرَ المِقصلَةْ"، فهي تخص نساء فلسطين بنص متميز "نساءُ فلسطينَ/ والعائداتُ بأكفانِ عشّاقهنَّ الخفيفينَ/ من مصرَ حتّى حدودِ الشامْ/ عليهنّ – دونَ النساءِ – السلامْ".

وإلى ذلك فهي في قصيدة "سقوط" تحتفي بلاعبة السيرك (البهلوانة) التي أعتقد أن الشعر العربي يخلو منها أو يكاد، باستثناء قصيدة أحمد عبد المعطي حجازي الشهيرة عن لاعب السيرك، وفي قصيدة العتوم تبرز مقدرتُها على تطويع اللغة لرسم الصورة المرعبة للسقوط "ألقى لها الحَبْلَ/ لكنّه احتاجَ أن يقطعَهْ/ كانَت البهلوانةُ تَمشي الهُوينى/ ونملٌ على قدمَيْها تحاذرُ أن تدفعَهْ".

ويبقى الكثير ليقال عن هذه التجربة، ولكن أختم بالشاعرة، امرأة القصيدة، وهي تحدّق في مرايا ذاتها، وتستطيع أن تتقمص روحا غير روحها، فترى "امرأةً لا تَرى/ تتقمّصُ دَوري/ وممسوسةً/ وتطِلُّ على البئرِ/ كي تتأكّدَ منكَ"، وتندغم بشريكها في النص، فتذوب فيه أو تذوّبُه في روحها "أحدّقُ فيكَ، وأنتَ تَراني سوايَ/ وما أنتَ إلّا خَيالي: فأينَ أنا؟ ما أنتَ إلا أنا". ويبلغ بها الظمأ حد الصراخ بأن "..بحرُ القصيدةِ أصغرُ من عطَشي". ولكنها تردد باستمرار رغبتها في التفرد "أفتّشُ عن زرقةٍ/ لم يصِدْها سوايْ"، وهذا سر من أسرار فرادة تجربة الشاعرة مها العتوم.

14