مها حسن تخرج حكواتياتها من ظلمة "الراويات"

الثلاثاء 2015/02/03
مها حسن تستعيد أجواء ألف ليلة وليلة بشكل مغاير

تأخذنا الروائية السّورية المقيمة في فرنسا مها حسن في نصها الجديد «الراويات» 2014 الصادر عن دار التنوير والمرشح ضمن القائمة الطويلة للبوكر 2015، في عالم من الحكايات عن «نساء حكواتيات عشن ومتن في الظلمة» ثم آلت على نفسها أن تنشر حكاياتهن، لأنها كما تقول «مسكونة بالرواية، لست وحدي من يكتب، إنهم معي، يحيطون بي، يكتبون معي، سأموت قبل أن ينتهي من تفريغ حكاياتنا على الورق، لن يكفينا العمر، لندون كل ما لدينا، شخوصي وأنا، الحياة أقصر».

الحكايات كثيرة والعمر ليس فيه متسع لكتابتها، خاصة أن حياة الروائي «كعامل المناجم، يشتغل لسنوات، ويموت قبل أن يكمل مشروعه، آخذا أبطاله وحكاياته معه» هكذا تقرر حسن في تقديمها لنصها، وكأنها تعلن منذ التصدير الانتصار للحكاية ولا شيء غير الحكاية محوّرة نص الإنجيل إلى «في البدء كانت الحكاية».

لا تقدم الكاتبة نصّا سهلا مجانيا، يُقرأ ويُفهم مغزاه من أوّل مرّة، فهو ليس من النصوص القرائية التي يَنْفر منها “بارت”، رغم أنه ثمة حكايات تستحق أن تقرأ، بل هو ينتمي إلى النصوص الكتابية التي يدعو إليها “بارت” ويحفّز عليها، حيث توزيع وتفتيت الحكايات داخل النص، ومن ثمّ إن القارئ معني أولا بلملمة الحكاية المبعثرة ثم إعادة تركيبها، فيتحوّل من متلق للحكاية إلى مشارك فيها.

ثمّة إشارات على انتماء النص إلى النصوص الكتابية وهي متمثلة في طريقة الكتابة، بتقسيم الكاتبة نصها إلى ثلاث روايات متداخلة، هي «جِلد الحيّة» و«حور العين» و«مقهى شهرزاد»، ثمّ في حضور نوازع الكتابة ومنغصاتها وفي أثر شهرة الكاتب، وفي وصفها لحياة الكاتب البوهيمية، إضافة إلى تصدير النص بمقدمة تشرح فيها عبثية الكتابة وفي ذات الوقت الحاجة إليها.

رواية تقوم على توزيع وتفتيت الحكايات داخل النص، ليكون القارئ معنيا بلملمة الحكاية المبعثرة وإعادة تركيبها


نص كتابي


في أحيان كثيرة تتعمّد الكاتبة إرباك القارئ وأن تلصق بنصها صفة المربك، فتوزيعها للحكايات جاء ليس كما هو يُستوحى من هذا التقسيم الداخلي للروايات، كل رواية على حدة، بل تخرق هي هذا التقسيم، وتتداخل بعض الحكايات التي لا تكتمل إلا في الرواية الثانية، وهو ما يحطم بنية الاستقلال المزعومة والخادعة للروايات والتي لا تبدأ باتخاذ عناوين مستقلة، وكذلك تضمينها أشخاصا وأحداثا مستقلين صوريا، وصولا إلى التقسيم الداخلي، بل يدخل في إطار الإرباك والتشظي تداخل الأسماء وتعددها، وإن كانت تشير إلى مسمى واحد كما هو الحال في أبدون وميريام، وفريدا وديبة ولويز، وفرانكو وساباتو.

وما زاد من الإرباك هو التداخل بين الأصوات فلا نعرف مَن الراوي؟ في بعض الأحيان يتم حلّ الالتباس من الكاتبة نفسها كأن تعلن لويز أنها فريدا، أو تترك الأمر مبهما، كأن تتحدث فريدا عن وقع رؤيتها لمقهى لدى شهرزاد والتغيير الذي أحدثه في داخلها، وكتابة نص عن ذاتها وعن أمها، ثم يتداخل صوتها مع صوت آنييس دون تفرقة.

ثمة استعادة لأجواء الليالي منذ الحكي عن نساء عشن ومتن في الظلمة، أو حتى تلبث صفة الراوي المؤنث، بل إن بنية الليالي حاضرة فثمة حكايات وتوالد الحكايات عنها، وثمة نزوع قصصي قصير وعناوين فرعية، وثمة الحكايات المجزأة، لكن هذه الاستعادة تظهر بصورة جلية في الجزء الثالث من الحكاية المعنون بـ«مقهى شهرزاد» فتستعيد الأجواء ذاتها، حيث زبائن المقهى من النساء يحكين حكايتهن كنوع من العلاج والاعتناء بالأرواح وتقديم «وصفة السعادة» للزوّار، حتى أن فريدا نفسها تذهب وتطلب من صاحبة المقهى ليلة لها لكي تحكي.

بل تتصل الاستعادة بذات الدور الذي قامت به شهرزاد في الحكاية الأصلية، وهو الانتقام لبني جلدتها، هنا تستعيد ذات الدور ولكن ليس جعله أسيرا لحكايتها كما في الماضي، بل أسيرا إلى كتابتها، فتسخر من عجز الرجل وضحالته في مقابل سخاء المرأة، سواء على مستوى السرد الكتابي أبدون- ديبة أو السرد الشفاهي نساء مقهى باريس. فعبر الحكايات الثلاث ثمة رجل عاجز عن تحقيق حلم ما كما في الحكاية الأولى «جلد الحيّة».

الرواية تتناول حياة نساء حكواتيات عشن ومتن في الظلمة

وفي الرواية الثالثة «مقهى شهرزاد» ثمّة حكايات تتمّة لحكاية فريدا وحليم التي لم نتعرف عليها في القسم الثاني حور العين، وأخرى جديدة كحكاية البنت آنييس دو مارتان معلّمة اللغة الفرنسية التي نشأت في عالم من الفوضى حيث اللابيت واللامكان، فالأب ينام في محطات المترو يلتقط رزقه عبر العزف على القيتارة أمامها، يتسوّل بعض النقود التي تكفيه لشراء بعض الخبز والنقانق والجبنة والنبيذ، أما الأم كلوديا فهي الممرضة الرصينة، اختارها الأب جيروم لتنظم له حياته الفوضوية، إلى حكايات أليس المولعة بالفلسفة ودمجها في السينما، وعُليا المصرية الكندية المخرجة، ولقائهما عبر السكايب ثم اللقاء المباشر في القاهرة، وتكوينهما جمعية فنانات من أجل السلام.

وإن كان حذف هذا القسم، خاصة حكاية أليس وعليا وآنييس، لن يضرّ أو يؤثر على النص، فذهاب أليس إلى مصر جاء مفتعلا: فلقد «مستها روح الفراعنه»، وهو سبب غير مقنع، بل إن الحديث عن الثورة وميدان التحرير واستعادة مشهد الثورة، وحالة الحراك ضدّ الإخوان جاء كمشاهد عبثية، كرّرت فيها الكثير من الأماكن والشخصيات (مقهى ريش والفيشاوي) وبالأحرى لا موقع له من الإعراب داخل النص.


ثورة على الحداثة


في الرواية وجهات نظر متعدّدة عن المرأة وسلبيتها التي تجعلها ترفض أن تثور ضدّ من سلبها حقها في الكتابة، كما في نموذج أبدون التي رأت عملها ينسب إلى غيرها، ويتمتع بالإطراء والمدح من الجميع، واكتفت هي بالحصول على توقيعه، وكأنها أبت ألا تفارق الهامش حتى المبرر، الذي ساقته في إطار غير مقنع «ما يهمني إن بقيت الكلمات والقصص حبيسة بداخلي ثم ماتت معي؟ أليس من الأفضل أن تخرج وتحيا، حتى ولو نشرها باسمه؟ ليس مهما اسم الكاتب على الغلاف، المهم أن تخرج الحكايات ليقرأ العالم ويتعرف إلى أبطالي. المهم هو الرواية، لا الروائي».

صورة القهر التي تميز كتابة المرأة حاضرة، وإن اختلفت صورته هنا نوعا ما في سلبها صوتها واسمها في الكتابة، كما أن الصورة القديمة أيضا حاضرة في قهر الجسد، وهو ما انعكس في الاستيهامات والمناجاة، أو في سلطته الذكورية الأبوية، كوالد فريدا برفضه قصة الحب التقليدية، المرأة الغنية التي تقع في غرام الرجل الفقير، أو بالقهر المادي كوالد آنييس الفرنسي الذي كان «يلتقط رزقه عبر العزف على القيتارة أمام محطات المترو، يتسوّل بعض النقود التي تكفيه لشراء بعض الخبز».

15