مها خوري فنانة تشكيلية ترفض أن تبقى أسيرة الواقع

يتناول الفن التشكيلي في كثير من الأحيان العلاقة المركبة بين الإنسان والمكان في فضاء التحولات الزمنية، عبر لغة لونية تنقل صورة الحلم والحنين في الوقت نفسه، حيث تكون الذاكرة مصدرا لانبعاثات الخط واللون، فالمؤونة الأكثر إيحاء في تكوين العمل الفني للفنانة التشكيلية الأردنية مها خوري هي الذكريات، فحين تتحرك الجموع تبدو كقطعان خائفة تدافع عن ذاتها عبر الالتحام ببعضها في شكل قوة ضمن الكتلة البشرية.
الجمعة 2016/02/05
لوحات تعبيرية تحاكي المعاصر

تتكامل اللوحات عند الفنانة التشكيلية الأردنية مها خوري، في ما يشبه المتوالية الشعرية، حيث يحتاج الرائي إلى أن يراها جميعا، ليكتشف شتات معانيها، فهي تحمل في تضاعيفها الكثير من الرموز والانفعالات، إذ تحاول في كل لوحة أن تضع شيئا مركبا من مجموع تجاربها وذكرياتها، فتكون للوحة استقلاليتها من ناحية، وتتّحد مع لوحاتها الأخرى من ناحية ثانية، وهي في معظمها تفصح عن تجارب المجتمع العربي وإنسانه المقهور، وتتمثل الرموز التاريخية والاجتماعية، بعتمتها وإشراقها، بقسوتها وروعتها، بمعرفة الحياة، بتأكيدها على الإنسان جسدا يتفتت بالجهد ويتوهج بالحب واللوعة.

ما يشدّ الانتباه إلى تجربة مها خوري التشكيلية، هو نجاحها في التموضع ضمن المساحة الفاصلة بـين التـرحال الداخلي وفي الخارج، في سبيل تخطي حالة العداء للفن/ العداء للصورة، وتـؤكد مهـا خـوري ذلك بقولها: يحمل معظم لوحاتي التعبيرية، فـي مضمونه النقدي، سمات ومفردات اجتمـاعية تحاكي واقعنا المعاصر، كما تحمل اللوحات أيضا طابعا وجوديا، لأنني أؤمن بـأن الحياة تعطي معنى للوحة، فتعلن عـن نفسها وتكشف عن جوهـر أفكـارها وعـن رؤيتها لفلسفة اللون.

سفر وترحال

تقول مها خوري: أوظف اللون بحرية، ليمتلئ في عمق الأحاسيس الرهيفة مهابة وحيوية، فالفنان يتطلع إلى البحث المتواصل والتجريب الجريء في أبعاده التقنية، فهو يغامر حدّ الامتلاء، إن لوحاتي الأخيرة التي عرضت في معرضي الشخصي الذي أقيم في “دار المشرق” بعمّان مؤخرا، تتدفق حيوية لونية مشبعة بإحساس مفرط، وأثر حركة الفرشاة الجريئة العنيدة باد عليها.

كانت مساحات لوحات خوري من قبل منغمرة في وهج الألوان الشرقية العربية، التي تومض من مساحة إلى أخرى، لقد عشقت الفنانة الألوان الدافئة بدرجاتها الرمادية وسحنتها البيضاء وتداخلات الأصفر وومضات الأحمر والبنفسجي، في جو عام تتميز فيـه البقع المثيـرة لإشغال المساحـة بعناصـر التضـاد في تصميم اللوحة، وبخاصة ضمن ثيمات الموضوع الذي تناولته في معرضها الأخير “أنا والسفر والترحال”.

المرأة هي الطفلة، فالفتاة، ثم الأم التي تعلم الأجيال، وهي التي ترفض أن تبقى أسيرة الهامش

وفي إجابتها عن سؤال حول المرأة في لوحاتها التي ليست مكشوفة، بقدر انكشافها في القصيدة، على سبيل المثال، قالت الفنانة: إن القارئ العربي عموما مصاب بعقدة الكشف عن جوارح الكاتب، فعندما يقرأ رواية أو قصيدة ذات أظفار طويلة، يمني النفس بوليمة جنسية وعاطفية.

وأضافت: القارئ يتخيل الكاتبة عارية، لذلك يحول الخجل الاجتماعي بين الكاتبة والبوح بمكنونات ذاتها، فتنسحب شيئا فشيئا من عالم الكتابة، بينما لا توجد مثل هذه المكاشفات في اللوحة التشكيلية، فتسعى الفنانة إليها.

وتواصل مها خوري مؤكدة: إن المرأة في لوحاتي هي الطفلة، فالفتاة، ثم الأم التي تعلم الأجيال، فهي الإنسانة التي تصنع واقعها، وترفض أن تبقى أسيرة الهامش.

وعند سؤالنا للتشكيلية الأردنية عمّا تستطيع أن تقود به المُشاهد من خلال لوحاتها إلى ما تريد، حيث تقدم له مناخا فحسب، وله حرية التعاطف من تلقاء نفسه، فأجابت مبتسمة بعد أن التقطت شفـرة السـؤال: نعم، هذا صحيح، إن لوحاتي هي المعادل الفني للخيار الثقافي الذي تستند إليه مجتمعاتنا، والذي مداره الحرص على التواؤم مع الحياة وعلى الالتزام بما يترتب عنـه من حكمة ثقـافية، تجعل مـن الحيـاة الإنسانيـة مشروعا دائما.

وأردفت قائلة: هكذا تصبح الفروق، سواء الحاصلة بين الأفراد أو تلك الفاصلة بين الأجيال، فروقا باطنية، لا يمكن إدراكها إلاّ من خلال تجربة داخلية غنية وواعية، ومن أجل هذا أحوّل لوحاتي إلى وعاء يختلط فيه كل شيء، المكان والزمان، الواقع والخيال، وأحلق في الفضاء لمشاهدة كل شيء دون أن يشاهدني أحد، أنتقل من مكان إلى آخر، من الغرف المغلقة إلى قمم الجبال وإلى الفضاء.

مها خوري في أسطر:

عضـو رابطـة التشكيـلييـن الأردنيين.

أنهت دراستها الجامعية بأميركا، في تخصص اللغة الإنكليزية.

أقامت العديد من المعارض المشتركة في السعودية وسوريا والجزائر وأميركا.

في هذه المناخات وهذه الطقوس الخيالية تنسج خوري عوالمها معتمدة على حرفية الرسم والتكوين وتلقائية التكوين، فكل لوحة تنتهي منها تقودها إلى عمل آخر، وأثناء اشتغالها تعمل على أكثر من لوحة مع اختلاف المواضيع التي تتدفق إليها تلقائيا خلال العمل، فلا تشعر بالوقت، بين التأمل العميق والرسم وإيجاد الحلول المناسبة لكل عمل.

حقيبة سفر

في معرض إجابتها عن تساؤلنا حول القصد من رسم الحقائب التي تملأ لوحاتها، وعن المجموعات البشرية التي تنتشر فيها، أجابت مها خوري: لم يزل بي شوق إلى رسم فكرة الرحيل عند الإنسان، وآخر تجربة لي لا بد أن تعمق هذا الهيام، فهو تعبير تشكيلي بصري لا شعاراتي، وإني أنصهر مع هذه الرؤى البصرية المؤثرة في نظري، فعند مشاهدة “الشنطة” (الحقيبة) يبرز فيها الواقع بمكوّناته أي بمعنى حافل بالتاريخ والسحر والثراء، فالمجموعات البشرية لا تعطي انطباعا عن انجذاب الفنان نحو قشرتها الخارجية، بل يتسلل إلى كنهها وسيصل إلى تلك الأغوار ببساطة بليغة، حيـث يكـون للوحة دورها في إرسـاء ولائـه الأصيل لا المنتحل.

في بداية زيارتنا هذه لنلتقي بالفنانة مها خوري في مقر رابطة التشكيليين الأردنيين في جبل اللويبدة، وعند طرحنا عليها استفسارا يتعلق بمدى الالتزام في لوحـاتها وعـن العلاقة بينها وبين الجمهور، ردت مها خوري بتلقائية دون تردد: أحترم أنصار الالتزام في الفن، لكنني أختلف معهم، على أكثر من صعيد.

حينذاك عمدنا إلى تأجيل حوارنا عن الالتزام قصد جعل وجهة نظرها حوله تتويجا للقائنا معها، ذكرناها بالسؤال، وكما في البداية تشرح لنا بتلقائية ودون تردد: إن الموت الذي يدب على الأرض العربية بأشكاله الوحشية، العديدة والمتنوعة، أخطر من أن نتحدث عنه أو نحاربه راكبين عربات من الكلام، عرجاء ومتهافتة، فللفن التشكيلي نضاله وحروبه الخاصة، وعذاباته في مواجهة الواقع، وكيف ترى وكيف تعبر؟ والجمود الأيديولوجي لا يميت الفن واللغة فحسب، وإنما يطمس أيضا معنى الزمان والمكان، ويطفئ لهب القضية كفعل مغيّر.

17