مهددات الأمن في الساحل وشمال أفريقيا.. وعودة التدخلات الأجنبية

الإرث الاستعماري القديم في شمال أفريقيا ومناطق الساحل الغنية بالثروات الطبيعية من عوامل اهتمام الدول العظمى التي تحاول استرداد إرثها والهيمنة على المنطقة في صراع شرس في ما بينها، حيث باتت هذه المناطق مسرحا للتدخل الخارجي العلني، وذريعته في ذلك الهواجس الإرهابية الداعية إلى الحد من الدعشنة التي وجدت موطئ قدم لها في القارة، أما وسيلته تتمثل فى تركيز عدد أكبر من القواعد العسكرية للتغلب على التطرف من جهة وعلى النفوذ الصيني المستشري في هذه المناطق من جهة أخرى.
الأربعاء 2016/11/16
البحث عن مصالح ونفوذ

بات منسوب التهديد في المنطقة الممتدة من السنغال غربا إلى الصومال شرقا، يتصاعد بقوة عبر انتشار الإرهاب العقائدي المسلح والعابر للحدود، والذي ما فتئ يمتد في فضائه الجغرافي بمسميات متعددة في منطقة قاحلة وشاسعة تبلغ 10 ملايين كم².

وتعاني دول الساحل من حالة هشاشة عارمة جعلت منه ساحل الأزمات في واقع يزداد وضعه استفحالا في ظل عجز دوله عن بسط سيادتها على كل أراضيها، وعن توفير الخدمات والأمن لمواطنيها، وضعف شرعية حكوماتها، مما جعل منها نقطة ارتكاز جديدة للتهديدات والهواجس الأمنية المحيطة بشمال أفريقيا انطلاقا من مالي، وليبيا، والنيجر، وجنوب الجزائر، وشمال موريتانيا.

وكانت عدة معلومات متاحة كشفت عن تسارع وتيرة بناء قواعد عسكرية سرية (أميركية، فرنسية، ألمانية) بشكل غير مسبوق في حجمه ونطاقه، خوفا من انتقال عدوى الدعشنة إلى الساحل الأفريقي وشمال أفريقيا.

وبالطبع، إن هذا الفضاء الشاسع بوضعه الاستراتيجي، وأهمية جغرافيته السياسية، واكتشاف ثروات طبيعية هائلة فيه، باتت من جديد مسرحا للتدخل الخارجي، وموضع منافسة شرسة بين القوى العظمى للحفاظ على مصالحها، وفرصة لإيجاد مواطئ قدم جديدة قرب مصادر الثروة الجديدة.

دور دولي متصاعد

يرى مراقبون أن المخاوف من التمدد الإرهابي زادت من هواجس الدول الكبرى حيث أجبرت فرنسا والولايات المتحدة الأميركية وألمانيا على تشديد الرقابة على منطقة الصحراء انطلاقا من النيجر أكثر المناطق الغنية باليورانيوم في العالم، والبلد الذي يملك شرائط حدودية مشتركة مع سبع دول (الجزائر (965 كلم)، ليبيا (354 كلم)، نيجيريا (1479 كلم)، بوركينا فاسو (628 كلم)، مالي (821 كلم)، تشاد (1175 كلم)، وبنين (266 كلم).

وكشفت مجموعة الأبحاث والمعلومات حول السلم والأمن في تقريرها الصادر الشهر الماضي عن أربع قواعد عسكرية أميركية (نيامي، ديركو، زيندر، أغولال)، ويتم بناء قاعدة جديدة في أغاديس، كما توجد أربع قواعد فرنسية في كل من منطقة أغاديس، وديفا، وتيلابيري، وزيندر، ويجري بناء قاعدة عسكرية أخرى ألمانية في نيامي.

يتجلى التواجد والحضور الأميركي العسكري في هذه المناطق عبر مبادرات عديدة أبرزها مبادرة محاربة الإرهاب عبر الصحراء

وتضاعف الدور الدولي بحصول واشنطن على تسهيلات من الجزائر وتونس ومصر تسمح بمرور طائرات حربية، والنزول الاضطراري للطائرات الأميركية في قواعد جوية جزائرية، منذ اقتحام مقاتلين من ثماني جنسيات مختلفة مركب الغاز في تقنتورين بعين أميناس، والذي شكل أبرز حدث أمني في 16 يناير 2013، وغير بخطى متسارعة وتيرة تشديد المراقبة على منطقة جبال أفوغارس شمال مالي، وصولا إلى واد زوراك في جنوب الجزائر.

ذريعة الإرهاب

كان الإرهاب الذريعة الرئيسية للدول الكبرى للتدخل في شؤون هذه الدول أمنيا وسياسيا وطريقها إلى الاستحواذ على ثرواتها في منافسة شرسة في ما بينها، وقد قامت فرنسا منذ سنة 2015 برعاية مشروع مبادرة دعم التعاون الحدودي في الساحل على حدود مالي وبوركينا فاسو، غايتها من ذلك محاربة الإرهاب.

وأعلنت وزارة الخارجية الفرنسية عن صندوق تعاون يحظى بالأولوية، وضع على عاتقه تقوية قدرات الأجهزة الأمنية في بلدان الساحل، وقامت باريس عبر فنييها المتواجدين في السنغال بتدريب ضباط في القوات النيجرية.

كما قامت قواتها في أكتوبر ونوفمبر 2015 بتمشيط في شمال مالي وشمال النيجر لطرد فلول الحركات الجهادية على بعد 100 كلم من مدينة تساليت وكيدال غير البعيدة عن الحدود الجزائرية، فيما تكلفت العاصمة نجامينا باستقبال القيادة المشتركة لمسرح العمليات.

وفتحت باريس صفحة جديدة من التدخل العسكري المباشر وإقامة القواعد، حيث سمحت سلطات النيجر باستعمال فضائها الجوي والبري لطائراتها العسكرية، وتم إرسال جنود تابعين لقيادة القوات الخاصة (COS) إلى قاعدة أغْوِلال القريبة من مواقع اليورانيوم قرب أرليت، وأكوتا. واتضح لاحقا أن القوات الفرنسية الخاصة مكلفة أيضا بمساعدة عملية ماليبرو الخاصة بمراقبة الحدود الليبية.

الحضور الأميركي

يتجلى التواجد والحضور الأميركي العسكري في هذه المناطق عبر مبادرات عديدة من أبرزها مبادرة محاربة الإرهاب عبر الصحراء، التي وضعت على عاتقها منذ عام 2010 تدريب وحدات مشاة خفيفة في كل من موريتانيا، ومالي، وتشاد، والنيجر.

وتعتبرهذه المبادرة امتدادا لمبادرة بوش في عام 2003 لمحاربة شاملة للإرهاب ودعم القوات المحلية في كل من موريتانيا، وتشاد والنيجر ومالي، حيث شاركت الفرقة العاشرة من القوات الخاصة في عدة عمليات ضد الجماعة السلفية للدعوة والقتال، ثم تطور البرنامج إلى الشراكة العابرة للصحراء لمحاربة الإرهاب، وسرعان ما انضمت إليها بلدان المغرب العربي عبر عمليات فلانتوك المتتالية التي دخلت تحت إمرة أفريكوم منذ عام 2008.

وكانت آخرعملية لهاته الشراكة سنة 2014 في المناطق الساخنة (أغاديس وديفا) في النيجر حيث قدمت واشنطن 44 مليون دولار، بالمقابل منحت النيجر حق استخراج النفط من منطقة هضاب دجادو لشركة هانت أويل الأميركية، ثم منحت حق الكشف والتنقيب بمنطقة أجاديم الواقعة في ديفا شمال بحيرة تشاد لشركتي إكسون موبيل وبيترونز الأميركيتين.

ويمكن اعتبار التحول في التعاون العسكري الذي قدمته الولايات المتحدة الأميركية لمناطق الساحل الأفريقي انطلق في سنة 2013 إثر الهجوم الذي تعرضت له مالي، وذلك بانخراطها في عملية سرفال الفرنسية، وتقديم طائرات من دون طيار المعروفة بـ”هارفارنغ وبرداتور” الأكثر تقدما من الأولى، فضلا عن المئات من العسكريين المكلفين بالاستخبارات والتعاون مع القوات الفرنسية والمالية، غير أن الفرنسيين عبروا عن اشمئزازهم من حليفهم الأميركي بعد أن عمد هذا الأخير إلى محاولة الحد من تأثيرهم، بحيث قبلت حكومة مالي منذ سنة 2012 أن تتزود الطائرات الأميركية بالوقود من مطار أغاديس، وهي طائرات تستعمل في مهمات الاستطلاع والمراقبة الخاصة بقيادة العمليات الخاصة التابعة للجيش الأميركي.

باحث في جامعة السوربون

6