مهدي جمعة.. رئيس وزراء لتونس بدواع عولمية

السبت 2013/12/21

أن يصبح لتونس مرشحٌ لرئاسة الحكومة اسمه “المهدي” “جمعة” في عصر النمذجة وتنامي العلوم العقلية والألسنيات، لا يمكن أن يكون نتيجة لاختيار وطني مائة بالمائة في بلد مازال يبحث عن سبيل إلى تملك تلك العلوم والسيطرة على تطبيقاتها العديدة والمختلفة في مجال تشكيل الرؤى وتوجيه الميولات وقيادة الرأي.

ففي ضوء الوضع الذي مرت به البلاد والذي استحال فيه التوافق الوطني حول اسم مرشح للمنصب المذكور، ليس من المستبعد أن تكون الدوائر العالمية المعنية بمستقبل تونس قد تدخلت في الحوار الوطني، في الدقيقة 90 وطبقا لتصميم دقيق للبدائل، وذلك بصفة حوّلته ضمنيا إلى حوار عولمي “موندياليست”.

ونستنتج من هذا أنّ الانتقال السياسي التونسي- بما فيه اختيار العصفور النادر بالنسبة لقادة الرأي العالميين- لا يعدو أن يُعتبر مسألة سوق وصفقة رمزية. وهنا يأتي دور العلم والابستمولوجيا، حيث إنه من الوارد جدا أن جهات أجنبية مؤثرة قد تدخلت في توجيه المتنفّذين في السياسة التونسية نحو فضاء رمزي مركزه شخصية المهدي جمعة كانت قد بنته هذه الجهات تدريجيا وحسب تطور ردهات الحوار الوطني. في هذا السياق، الذي قد يعتبره البعض تفكيرا سحريا من طرفنا، والبعض الآخر خيالا “علميا”، وبعضهم تخمينا من محض العقلية التآمرية، قد يكون أصحاب القرار العولمي أرادوا أن “يُهدوننا مهديا” (منتظرا) حمّالا لبركة يوم “الجمعة” الإسلامية. فكثيرا ما عوّل قادة الرأي الغربيين على المداخل السحرية في العقلية العربية الإسلامية، وأفلحوا في اتخاذها معاول لتركيع العرب والمسلمين.

لكن الأهم من هذا كله أن تعي المجموعة الوطنية أنه مهما كانت النسبة التي تدخلت بها الدوائر في تعيين السيد مهدي جمعة رئيسا للحكومة (وهو أمر وارد كما قدمنا) فإنّ عليها أن تمتطي القطار وهو يسير وتتوحد حول هذا التعيين عسى أن تساهم بما يكفل للبلاد وللعباد الوصول إلى المكان المقصود. لكن هل بالإمكان تحقيق هذه الغاية دون منهجية تضاهي منهجية المتدخلين في شؤوننا من حيث القوة والنجاعة؟

لو يبقى الأمر موكولا لطبقة سياسية حالية ليس لها من الأدوات المعرفية ما يجعلها منافسا شرسا للقوى الخارجية، سوف لن يكفي تونس سبعون “مهدي” لكي تقوم لها قائمة وتندمل جروحها على إثر ملازمتها فراش المرض لمدة لا تقل عن الخمسة أشهر. ونعتقد أنّ هذا التوقع وارد سيما أنّ الشعب تربى طويلا على عقدة الأجنبي وما يسندها من عقيدة خاطئة تتلخص في إيمانه بأنّ “تونس صغيرة وفقيرة” بينما هي أكبر من إنكلترا وهولندا وبلجيكا والبرتغال على سبيل الذكر، وأثرى من حيث الموارد الطبيعية من العديد من البلدان المتقدمة.

في سياق الحل أو البحث عنه، والآن وقد تبيّن أنّ الغرب فهِم الشعب التونسي أكثر مما فهمه السياسيون التونسيون (للأسف)، وأنّ ثلاثي السلطة وعلى رأسه حركة النهضة من جهة والمعارضة من جهة ثانية على حدٍّ سواء، هما الخاسران في معركة الحوار الوطني، نعتقد أنّ التحول المعرفي والعقدي ضروريان لتحويل المسألة التونسية من معركة أشخاص وأيديولوجيات وأحزاب وكراسي إلى معركة أفكار.

فالشخصية المرشحة لقيادة البلاد متوفرة الآن وما على النخب الجديدة، اتساقا مع ندرة الشخصية المختارة، إلا أن تثبت أنّ المتشبثين (عنوة) بالرأي القائل إنّنا مدينون للخارج، وللولايات المتحدة وفرنسا تحديدا، باختيار السيد مهدي جمعة، إنما هم كاذبون ولو صدقوا، وأنّ رفض هذا الأخير بناءً على ذلك الرأي لا يجوز التمسك به من طرف سياسيين كانوا يرفضون دوما السعي إلى بناء تدريجي لوحدة مع الجارتين الجزائر وليبيا، ولا يفكرون أبدا في ربط صلات التعاون مع الأشقاء العرب بل يؤثرون إيفاد ذرّياتهم للدراسة وللعمل وللإقامة الدائمة في أميركا وفرنسا وألمانيا وسويسرا وغيرها، ولم يفعلوا شيئا لمنع الآلاف من الشباب اليائس/الطموح من الهجرة المتوحشة أو من الموت غرقا في الأثناء، ولا يحركون ساكنا لمّا يرون مدنا وأحياء فرنسية وإيطالية بحالها تحتضن جموعا غفيرة من المهاجرين التونسيين (والمغاربة عموما) يفوق عددهم أحيانا عدد سكان البلد الحاضن.

في سياق الحل المعرفي والعقدي دائما، لن أجازف وأقول إننا لسنا أهلا بالديمقراطية فهذا غير صحيح إطلاقا، ولكني متأكد أن الديمقراطية درس يُتعلّم، بينما لا الطبقة السياسية لها علاقة بالتعليم، ولا الشعب له من التواضع ما يحثه على التعلم. وقد حان الوقت لنتعلم جميعا على الأقل كيف نُفشل أجندات الفساد والحث على الارتماء في أحضان التبعية.

ولكي لا يكون التغيير المرتقب في تونس تغييرا في الوجوه فحسب، مع الإبقاء على السياسة (سياسة الكومبرادور التابعة لمركز النفوذ الامبريالي)، نحن مطالبون باستخدام آليات معرفية جديدة يكون مفعولها إبطال رواج أفكار السياسات القديمة المشبوهة. ولتوظيف هذه الآليات فإن الوضع لا يتطلب انتظار حلول حكومة منتخبة، وإنما يتطلب تحلي الحكومة الانتقالية المزمع تشكيلها من طرف المهدي جمعة بخصال تتلخص في التعاون الجدّي والمكثف مع من يحملون مثل هذه الآليات.

على سبيل المثال، يتوجب تثوير منهجية اختيار الفريق الذي سيعمل مع مرشح رئاسة الحكومة المختار. لا أعرف المهدي جمعة شخصيا لكني أتصور من خلال سيرته الذاتية أنّه، على عكس سابقيه في الحكومتين الإسلامويتين، يُتقن اللغات الأجنبية. وهذا معطى هام جدّا ولكنه سلاح ذو حدين، لأنه قد يخدم تونس كما قد يخدم الدوائر الأجنبية المتنفّذة ويعود بالوبال على تونس. ولضمان أن تكون تونس هي المستفيدة من خيار الانفتاح، الثقافي واللغوي والفكري والسياسي، فلابدّ منذ البدء من توجيه الحكومة المرتقبة نحو المنظومة الجيوسياسية التي يرغب فيها المجتمع حتى تتحول التعددية الانفتاحية من ورقة نفترضها جدلا تجلب الربح للأطراف الخارجية المساندة لخيار المهدي جمعة، إلى ورقة تجلب الربح لتونس. ومن أجل هذا نعتقد أنّ إحاطة رئيس الحكومة بفريق من الخبراء يكونون من مخضرمي التكوين، أي من الوطنيين الأشاوس وفي الآن ذاته من المتمكنين من أسرار الثقافة الغربية، سيكون خيارا أكثر من صائب.


كاتب تونسي

8