مهدي عامل رفع قدر المجتمع وانتقد الفكر القومي والديني معاً

الأحد 2014/02/23
مهدي عامل انتصر لليقين الثوري

اغتال حزب الله في حملة واسعة، كلاً من مهدي عامل وحسين مروة وعدداً كبيراً من قادة الحراك اليساري اللبناني، الذين كانوا في واقع الأمر غالبية شيعية، وتم تنظيف الساحة من المفكرين لحساب تقدّم وبروز قيادات دينية للمجتمع الشيعي اللبناني، وحول اغتيال مهدي عامل قالت ماري الدبس نائب أمين عام الحزب الشيوعي اللبناني شهدت علاقة اليسار اللبناني بحزب الله تحولات كبيرة :” قبل عشرين عاما، شن حزب الله حربا بلا هوادة ضد الشيوعيين، أعتقد أن الاتجاه السلفي الإسلامي الممثل بوجه خاص بحزب الدعوة الحزب السلفي بقواعده في العراق وإيران، ليست شيعية وحسب، بل ذات أغلبية شيعية وكان يرى في الحزب الشيوعي نقيضه في كل شيء، وكان يسعى لإلغاء كل فكرة عن العلمانية والانفتاح وفلسفة مغايرة الخ، بدأت العلاقات متوترة للغاية ووصل حزب الله حد اغتيال العديد من رفاقنا، وبوجه خاص مثقفين وأطرا جامعية، قتلوا على سبيل المثال مهدي عامل وحسين مروة، ونشبت معارك صغيرة سواء في بيروت أو في البقاع الغربي، في مناطق عديدة، حيث كان ميزان القوى يتيح قضاء طرف على آخر، ساعد ذلك أيضا ميل سوريا الى استئصال شيوعيي المقاومة الوطنية، كان ثمة تفاهم ما بين القوى السورية وحزب الله وقوى أخرى أيضا. كنا ملاحقين، وكان ثمة رفاق ذهبوا للقيام بعمليات مقاومة واغتيلوا وأطلقت عليهم النار من الخلف”.


المقاومة بالفكر


كتب اليساريون اجتهاداتهم بأساليب متعددة، اقترب بعضها من نثر الحياة، وآثر بعض آخر لغة من خشب، وعدوا، في الحالين، بمدينة تنصف الأحياء، وترد الاعتبار إلى أموات جمعوا بين الأحلام والخيبة.

لكن الدكتور حسن عبدالله حمدان المعروف باسم “مهدي عامل”، أراد أسلوباً خاصاً به، يوحّد بين العلم والإيمان، قبل اغتياله في الثامن عشر من أيار العام 1987 في أحد شوارع بيروت وهو في طريقه إلى الجامعة اللبنانية، حيث كان يدرس مواد الفلسفة والسياسة والمنهجيات في معهد العلوم الاجتماعية، بعد حصوله على شهادتي الليسانس والدكتوراه في الفلسفة من جامعة ليون الفرنسية.

مارس بنفسه ما طالب به الناس.. «لستَ مهزوماً ما دمتَ تقاوم».. فاغتاله الظلام


لبنان القديم الزاخر بالفكر


كان مهدي عامل عضوا “بارزا” في اتحاد الكتّاب اللبنانيين والمجلس الثقافي للبنان الجنوبي، ورابطة الأساتذة المتفرغين في الجامعة اللبنانية. وانتسب إلى الحزب الشيوعي اللبناني في العام 1960، وانتخب عضوا في اللجنة المركزية للحزب في المؤتمر الخامس عام 1987.

وتعتبر أواخر الستينات وحتى منتصف السبعينات من الفترات المهمة في حياة مهدي عامل، حيث بدأ فيها التأسيس لمشروعه الفكري والكتابة باللغة العربية، ودراسة واقعه الاجتماعي في ضوء المنهج المادي الماركسي- اللينيني وتمييز كونية قوانينه، لتبدأ بحسب مهدي عامل “صيرورة الفكر العربي فكراً علمياً”، مبتعداً عن القولبة وتكرار المقولات المتكونة، ومنذ البداية أدرك مهدي خطورة ما يقوم به بقوله: “إنها لمخاطرة كبرى أن يفكر الواحد منا في واقعه باللغة العربية”.

وعبر المسار المتحرّر، والتحرري، توصّل مهدي عامل إلى صياغة العديد من مفاهيمه ومقولاته المختلفة عن، والمتخالفة مع، الثوابت الفكرية في الحركة الشيوعية العربية، ولكنه إذ يصل إلى صياغة مفهوم ما، أو قناعة معرفية محددة يندفع إلى حد الافتراض أن هذه الصيغات هي وحدها الصحيحة، فيدافع عنها بمنطق متماسك جدا، صارم جدّا، وممعن جدا في تشدده، فكتب عن “نمط الإنتاج الكولونيالي”، الذي يعيد إنتاج أنظمة تعترف بمصالح الكون كله ولا تعترف بمصالح شعوبها، وعن “أزمة الحضارة العربية”، التي هي من أزمة أنظمة مستقرة ألغت معنى الأزمة ووطّدت الركود.


المثقف العضوي ومجتمعه


وفي منتصف الثمانينات، حين كانت قوى التحرر سائرة إلى الغرق، آثر مهدي أن يوازن بين النظرية والتبشير، وأن يجعل من “المثقف العضوي” مثقفاً رسولياً يرفع ألوية الخلاص ويموت في الطريق، مارس خياراً أخلاقياً أقنعه، وهو المغترب البريء المعزول، إنه مدعوم من جماهير واسعة تسير إلى النصر الأخير.

وفي كتابه الأخير “نقد الفكر اليومي”، الذي لم يتح له الموت إكماله، صورة عن إيمانية مطلقة، يفصح عنها السياق قبل الأسلوب، ذلك أنه أكد انتصار الفكر الماركسي حين كان يقترب من هزيمة كاسحة. ساوت الإيمانية بين النظرية والانتصار، وساوى العقل الانتصاري بين النظرية والمنتمي إليها، كما لو كان الحق قد تشخصن في النظرية والمناضل معاً، ولهذا أخذت النظرية على قلمه صفات متعددة، فهي: “الفكر المناضل، اليانع أبداً، اليقظ الدائم، لا يتخاذل حين يفاجأ (….) يؤكد ضرورة الفكر العلمي في أن يكون ثورياً، وضرورة الحركة الثورية في أن تكون علمية”.

يحلل مهدي عامل “الفكر المادي” متحدثاً عن “الجرأة” و”الإصغاء”، كما لو كان الفكر المادي لا يفصح عن خصوبته إلا عند مفكّر يتمتع بالجرأة ويجيد الإصغاء، يصدر السبب الثاني عن “روح العصر”، التي هي من روح “الفكر المادي”، أو صورة عن “الفكر العلمي”، الذي هو قوام الزمن الحديث. نقرأ: “هو العصر وهذي حداثته، أن تعمّ فيه انهيارات الكهانة والقداسة والسيادة”.

كتب مهدي عامل عن فلسفة “عصر الثورات”، الذي هزم عصراً آخر، وهي المعرفة الدقيقة التي تبصر في أفق الحاضر مدينة فاضلة: “سرْ في الزمن الثوري وحدّق فيه بعين الفكر العلمي، ترى الواضح في الآتي، يستقدمه الحاضر بمنطق تناقضاته”.


اليقين الثوري


ولاحظ مهدي، في كتابه، “النظرية في الممارسة الثورية”، أن حركة التحرر الوطني في العالم العربي، من حيث هي حركة ممارسة الجماهير العربية كفاحها، في هدف قطعِ علاقةِ التبعية البنيوية بها، تعاني أزمة مزمنة، هي أزمة قيادتها الطبقية البرجوازيةَ المتجدّدة، وهي في الوقت نفسه أزمةُ القوى الاجتماعية والسياسية النقيض، العاجزة إلى الآن، في ممارستها الصراع الطبقي، عن فرض نفسها كقيادة ثورية بديل من تلك القيادة البرجوازية. ولمزيد من الدقة، إن أزمة حركة التحرر الوطني العربية كامنة في واقع أن البرجوازية التي تقودها ليست في مكانها الطبيعي، بسبب موقعها الطبقي في علاقات الإنتاج الكولونيالية، في حين أن ثمة حاجة قصوى لإحداث تحويل ثوري في علاقات الإنتاج تلك، يتناقض مع واقع قيادة تلك الحركة. ويُنحي مهدي باللائمة، في سياق نقده هذا، على الأيديولوجية “القومية”، التي تمارس فيها البورجوازيةُ الكولونيالية مأزقها الطبقي، في قيادة حركة التحرر الوطني “بحيث تظهر كأنها تمارس الصراع ضد الإمبريالية، فيما هي تمارس، في الواقع، في علاقة تساومها بالإمبريالية، الصراع الطبقي ضد القوى المعادية للإمبريالية، مقيمة هكذا تعارضا لا وجود له بين الصراع الطبقي والصراع الوطني، وساعية لإظهار نقيضها الثوري، أي الطبقة العاملة، بمظهر المعادي للقضية الوطنية، أو غير المعني بها، مع ما يفضي إليه ذلك من منع التلاقي الطبيعي بين جماهير البرجوازية الصغيرة والطبقة العاملة”.

تلك الطبقة في نظر مهدي عامل، عجزت عن الجمع بين مهام التحرر القومي ومهام التحرر الاجتماعي، وعن اعتماد خط بروليتاري حقيقي يتحاشى الفصل بين تلك المهام، ويسعى أصحابه ليصبح هو خط حركة التحرر الوطني ككل، بما هي تحالف لأوسع الجماهير الشعبية، يضم، إلى الطبقة العاملة، الجماهير الواسعة للبرجوازية الصغيرة العربية، بوجه أخص، ولتصبح الطبقةُ العاملة في موقع الهيمنة السياسية في تلك الحركة، وتتجاوز أزمتها بوصفها النقيض الثوري المفترض داخلها.

مرة أخرى، يؤكد مهدي تصوره للدور القيادي الثوري المفترض أن تتمكن الطبقة العاملة العربية من الاضطلاع به، بحيث يسهُل هكذا أداء المهام الوطنية الديمقراطية لحركة التحرر العربية، ومن ضمنها تحرر الشعب الفلسطيني، في تداخل وثيق مع الاضطلاع بالمهام الاجتماعية، بما هي تطرح التحويل لعلاقات الإنتاج الرأسمالي الكولونيالية وبناء الاشتراكية. وهو يجزم بأن هذا الانعطاف العميق في الحركة المذكورة لا بد من أن يمر بامتلاك الطبقة العاملة استقلالها السياسي، إذ هي لا تكون ” النقيض الثوري للبرجوازية إلا بمقدار ما تتكوّن في مثل هذه القوة المستقلة. فاستقلالها السياسي هو الذي يجعل منها الطبقة المهيمنة النقيض”.

لاحظ مهدي عامل، أن حركة التحرر الوطني في العالم العربي، من حيث هي حركة ممارسة الجماهير العربية كفاحها تعاني أزمة مزمنة، هي أزمة قيادتها الطبقية البرجوازيةَ المتجدّدة، وأزمةُ القوى الاجتماعية والسياسية العاجزة عن فرض نفسها كقيادة ثورية


استقلال الطبقة العاملة ومسألة التعليم


وهو استقلال يتوقف على وجود “حزبها الثوري”، وقيادته نضالها، في نهج سياسي صحيح، فالحزب، بحسب مهدي، ليس التنظيم الثوري للطبقة العاملة وحسب، أي أنه ليس هذه الطبقة نفسها كطبقةٍ منظمة ثوريا وحسب، بل هو بالتحديد، أداة وصولها إلى موقع الهيمنة الطبقية في السلطة، وكانت كتابات مهدي عامل التربوية، التعليمية من أولى اقتحاماته الفكرية في مجابهة الواقع اللبناني بعد عودته إليه من فرنسا ومن الجزائر أواخر الستينات، وكان تدريسه لمادة الفلسفة، إلى جانب متابعته اليومية الحية لبعض مظاهر النظام التعليمي في لبنان، من الدوافع المباشرة لتلك الاسهامات المتميزة وهو ما تميز به إنتاج مهدي اللاحق، الفلسفي منه بخاصة، والفكري بعامة.

شهدت تلك الفترة تفاقماً حاداً لأزمة السياسة التعليمية القائمة في لبنان، رافقه نمو متصاعد للحركة المطلبية الشعبية للتلامذة والطلاب وللمعلمين والأساتذة، وكشف المنهج الذي اتبعه مهدي عامل، من موقعه، في تحليله لآلية السياسة التعليمية للدولة في لبنان، عن صرامة هذا المنهج وعلى رهافة أدواته التي عمل على صقلها كما الفولاذ، والتي كان حريصاً على تأكيد ضرورة تميز تلك الأدوات بتميز الحقل الاجتماعي الذي تتصدى لتحليله، وكشف ذلك المنهج عدداً من علامات الطريق أمام كل من كانت قضايا التربية والتعليم ومستقبلها من اهتماماته. وعلامات الطريق هذه أكدت إرهاصات الحرب الأهلية أهميتها، كما زادتها أهمية حروب السنوات الست عشرة، ولا تزال تؤكدها سنوات السلم الأهلي القائم حالياً.

اغتيل مهدي عامل المولود في بيروت في العام 1936، برصاصات ما زالت حتى اليوم تغتال بصيغ مختلفة ما أراده مهدي من حزبٍ ثوريٍ، وممارسة سياسية طبقية مستقلة وفكرٍ نقدي تفتح الدرب أمام خطوة الانتقال من مجتمع أنظمة القمع والاغتراب والسلعية والأزمات الدورية إلى مجتمع الأنظمة الإنسانية الحرة الديموقراطية.

8