مهربون طيبون يحملون الحياة إلى مدينة تعز المحاصرة

“التهريب أصبح عملا خيريا”، قد يكون هذا الوصف الذي أطلقه الكاتبان في شبكة الأنباء الإنسانية “إيرين”، آني سليمرود وأندرو غالي على المهربين في اليمن غريبا، وربما يذهب البعض منذ الوهلة الأولى إلى التفكير في أن الحكاية قصة خيالية على طريقة قصص روبن هود، فكيف يمكن للمهرّب أن يكون منقذا؟ لكن بعد الاطلاع على أصل القصة التي تجري وقائعها في اليمن ومعرفة السلع التي تهرب، سيؤيد الجميع سليمرود وغالي.
الجمعة 2016/01/29
الجمل الناطق والحمار الحكيم

تعز- قبل نشوب الحرب في اليمن كان لواء عبدالرحمن يعمل في مجال البناء، ولكن الزمن قد تغير، إذ بوصفه مالك حمار أصبح جزءا لا يتجزأ من الاقتصاد غير المشـــروع الذي نشأ حول مدينة تعز المحاصرة.

ويقدّم الرجل البالغ من العمر 32 عاما نفسه قائلا “أعيش في قرية ولدي شاة وبقرة وحمار وعادة ما استخدم الحمار لجلب غذاء للحيوانات، ولكن الشهر الماضي بدأت استخدمه للتهريب لأن لا عمل آخر لدي هذه الأيام”.

ويكسب عبدالرحمن رزقه الآن من نقل البضائع المجففة على طريق جبلي يؤدي إلى تعز، حيث يعيش 200 ألف مدني تحت “حصار فعلي”، كما أفاد رئيس الإغاثة في الأمم المتحدة ستيفن أوبراين في أواخر شهر نوفمبر الماضي.

وفي منتصف ديسمبر، اتفق ممثلو الأطراف المتحاربة في اليمن على السماح بوصول المساعدات إلى تعز التي يحاصرها المتمردون الحوثيون، وشهدت بعض أسوأ المعارك في الصراع الذي بدأ بشكل جدي في مارس الماضي وأودى بحياة أكثر من 6 آلاف شخص. لكن على الرغم من النجاح في إدخال بعض المساعدات إلى المدينة، انهار اتفاق وقف إطلاق النار المرتبط بالصفقة، وبحسب التقارير الواردة، أصبحت بعض السلع الأساسية تُباع في السوق السوداء.

وقالت منظمة أطباء بلا حدود إنها أدخلت شاحنتين محملتين بالمساعدات الطبية إلى تعز خلال عطلة نهاية الأسبوع. ولا تزال هناك فجوات هائلة لا يمكن أن تسدها المساعدات الإنسانية، وهنا يأتي دور نحو 300 حمار و20 جملا بقيادة أصحابها، حيث تقطع هذه الحيوانات الطرق الجبلية وتجلب الغذاء والدواء وغاز البروبان والأكسجين إلى المدينة.

يستيقظ عبدالرحمن في الخامسة صباحا ويمشي خمسة كيلومترات في منطقة جبلية كل يوم، ويستقبله داخل تعز التجار الذين يبيعون ما يحمله لتحقيق الربح، أو المتطوعون الذين يأخذون الإمدادات الطبية. ومقابل نقل كيس من القمح زنة 50 كيلوغراما، يحصل على 600 ريال يمني (2.5 دولار). ويقطع عبدالرحمن هذه الرحلة مرتين في اليوم، وهو ما يكفي لإطعام أسرته المكونة من خمسة أفراد.

حوالي 300 حمار و20 جملا يقودها أصحابها عبر الطرق الجبلية لتهريب الدواء وغاز البروبان والأكسجين إلى تعز

وقال محمد دياب، وهو تاجر من تعز، إنه يستأجر حمارا لتهريب المواد الغذائية وبيعها في متجره. ويشتري بعض رجال الأعمال البضائع من المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون، حيث يفضل بعض التــجار سهولـة السفر بالمركبات.

لكن دياب يرى أن المسالك الجبلية الوعرة أكثر أمنا، لأن أنصار الرئيس عبدربه منصور هادي يسيطرون عليها، أما الطرق الأخرى التي يسيطر عليها الحوثيون فليست آمنة وأحيانا يستولي الحوثيون على البضائع.

ويحقق المهربون الذين يملكون الإبل أرباحا جيدة بشكل خاص من التجارة، فمثلا يكسب نعمان زيد البالغ من العمر 41 عاما نحو 5 آلاف ريال يمني (23 دولارا) مقابل حمل أسطوانة أكسجين، ويستطيع الجمل الذي يملكه أن يحمل اثنتين في وقت واحد. ويبدو الأمر خطيرا، حيث هناك دائما خطر الانفجار في أي لحظة، ولكن نقل البضائع الخطرة يدر ربحا كبيرا.

ويقول زيد “كنت أنقل الحطب على جملي من الوادي إلى قرى مختلفة في جبل صبر، وكنت بالكاد أكسب 2.000 ريال يمني (9 دولارات) في اليوم الواحد”. ولكن النقود ليست هي السبب الوحيد الذي جعله يشارك في لعبة التهريب، حيث أضاف “إنني سعيد جدا بعملي، ليس بسبب المال، ولكن لأنني أساعد المرضى في المستشفيات”.

وفي الواقع، يبدو أن التهريب أضحى عملا خيريا. ويستقبل الأطباء الحيوانات وأصحابها للتأكد من أن الأكسجين يذهب مباشرة إلى المستشفيات، حيث يتم استخدامه في عمليات لإنقاذ الأرواح، بل إن بعض المهربين يتلقون دعما من المؤسسات غير الربحية المحلية.

ومن جانبه، قال عبدالكريم شمسان، رئيس ائتلاف يضم 200 منظمة إنسانية محلية، إنه يريد أن يرى إمدادات إغاثة أكثر وثوقية، وأضاف في ختام التحقيق الذي أجرته شبكة الأنباء الإنسانية “نشكر جميع المهربين على الجهود التي يبذلونها لتهريب المواد الغذائية والأدوية إلى المناطق المحاصرة، ولكننا بحاجة إلى أن يقوم التحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية بإسقاط المواد الغذائية الجافة والأدوية بالطائرات. فهذا حل أفضل من التهريب”.

6