مهرجانات الشعر والأمكنة الشعرية

الاثنين 2016/01/04

السفر إلى مهرجان للشعر والعودة منه لا يندرجان دائما في مجال السفر المعتاد أو متعلقاته المألوفة. إن فعل السفر هنا، ليس انتقالا في المكان أو تقلبا في الزمان فحسب، بل هو أحيانا حركة داخلية، أو ارتحال في داخلك الثقافيّ والنفسيّ قبل أي ارتحال آخر. خضّة لهذا الداخل، وفتح لمكوناته المنسية أو المهجورة منذ زمن. وهو أيضا إطلالة منها على الآخر، أعني الشريك الشعريّ تحديدا، المتوقع أو الجديد.

ولمهرجانات الشعر صلة متفاوتة بالمكان الذي تقام فيه. قد تكون هذه الأمكنة طارئة على الشعر أو يكون الشعر طارئا عليها. الأمكنة شديدة التفاوت في مدى شعريتها، وأعني هنا صلتها بالشعر، فقد يكون المكان حاضنة مثالية للشعر ومنتجة له،عُرفت به وعُرف بها أيضا كتابة أو تلقائية أو احتفاء. وقد لا يكون الشعر في مكان آخر إلاّ ديكورا لإكمال مشهد الحياة العامة، وهي حياة غير آبهة بالشعر ولا بصنّاعه.

أحيانا يكون الشعر ضيفا على المكان، ضيفا مكرما وشديد الأناقة، لكنه ضيف لا أكثر على أيّة حال. طارئ كالفرح، وخفيف كحفنة من الهواء. وبعد أن ينتهي المهرجان قد يرحل الشعر والشاعر عاريين من رائحة ذلك المكان تماما. وقد لا تبقى في الذاكرة إلاّ أشجارُ الأسمنت، كما يقول حجازي، أو ترف القاعة وعريفة الحفل الأنيقة.

في مهرجان أثير للشعر العربي، 22-27 نوفمبر 2015، كانت التجربة مختلفة وعلى درجة عالية من اللطف والفتوة والرهافة. أحسست في تلك اللحظات وكأن الشعر والمكان كليهما يكسران غيابهما الطارئ ويعاودان للاكتمال ثانية. وبعيدا عن الإعداد المتقن والإخراج الجميل لأماسي المهرجان، فإن ما اكتشفته في مسقط، من تفاصيل ثقافية وإنسانية، يحيلني إلى قضية المكان الشعريّ ودلالاته مرة أخرى.

هناك أمكنة شعرية بامتياز، لأنها حواضن الشعر الأولى، ولأنها مرضعته الموغلة في القدم. وعُـمان أحد هذه الأمكنة، التي تكاد تكون منقوعة بالشعر، فهناك حضور شعريّ فائق الجاذبية يفصح عنه الجسد الجغرافي لهذا البلد، إن الجبل والبحر يحتضن كل منهما الآخر بحنان ونبل. تجسيد شعريّ نادر تتولى إنجازه تناقضات الطبيعة وهي تلتئم في كتلة سيّالة ومتراصة تفيض بالتكامل والعذوبة.

وشخصية الإنسان العمانيّ نفسه تفصح عن شعرية حاضرة في الكثير من شمائلها ولفتاتها اليومية: في عذوبة الحديث والتواضع الآسر، في الإصغاء الجميل وكرم الروح، في المرح الحييّ ورقة الطبع. ذلك لأن المزاج هنا مشبع بالشعر وعلى صلة عميقة به، صلة تمتدّ إلى بدايات سحيقة لا يدركها حتى الظن. وليس غريبا أن يأتينا، في أحيان كثيرة، غريب القول الشعريّ أو جديده من بيئة كهذه، فثمة إرث من الإحساس العالي بالجمال يكمن في هذا المكان، هو شعر بالقوة، إحساس قابل للاشتعال، ليتجاوز، في لحظة خاطفة، صعيد الطبع أو الروح أو الجبلّة، إلى صعيد الشعر المتحقق، أعني شعرا بالقوة.

صلة المكان العمانيّ وأهله بالشعر، ليست صلة الضيافة الأصيلة وحدها، ولا الإعداد المحكم وحده، بل هي الطبيعة الإنسانية، المشاركة في الحدث الشعريّ بجدارة، والمنتمية إليه باقتدار حقيقيّ لا يحجبه عنا إلاّ تواضع المقتدر. هذه الطبيعة التي تحضر بغزارة في اليوميّ والمألوف من سلوك الناس هناك، تنمّ عن شمائل عمانية أصيلة وتلقائية، هي ابنة الطبع الصافي، والفطرة الحقة التي لا يتكلفها المكان ولا يفتعلها البشر.

كاتب من العراق مقيم في الإمارات

14