مهرجانات بعلبك تضع لبنان على خارطة الثقافة العالمية

تضيء مهرجانات بعلبك هذا العام شمعتها الستين في ظل أجواء مضطربة طالت آثارها السلبية النشاط الثقافي بشكل عام في البلاد، لتؤكد حظوة الثقافة ودورها ومكانتها، وقدرتها على خلق واقع مغاير يشكل ردا فاعلا على حالة الانحدار العام التي تسود حاليا البلد.
الثلاثاء 2016/08/16
تخاطب ثقافي مع الذات ومع العالم

انطلقت مهرجانات بعلبك العريقة اللبنانية عام 1956 بدعم من الرئيس كميل شمعون، واستقبلت، على مدى رحلتها الطويلة، نخبة من ألمع الفرق العالمية مثل أوركسترا نيويورك وأوركسترا برلين.

وغنت فيها كوكب الشرق أم كلثوم، واحتضنت أعمال الرحابنة وروميو لحود، وأطلقت نخبة من ألمع نجوم الغناء اللبناني الذين تجاوزت شهرتهم الآفاق مثل وديع الصافي، صباح، فيروز ونصري شمس الدين، وكانت المهرجانات قد توقفت عن ممارسة نشاطاتها بعد اندلاع الحرب الأهلية في لبنان لمدة عشرين عاما قبل أن تعاود نشاطها في العام 1998.

ثقل تاريخي

تعاني مهرجانات بعلبك من ثقل تاريخها الأسطوري الذي يفرض عليها متطلبات شديدة الصرامة في ما يتعلق باختيار الفرق والشخصيات التي يجب أن تتناسب مع معايير العالمية التي طالما كانت الصيغة المميزة لها، فمهمة النهوض بالثقافة عموما، والتي تناط بها بشكل خاص كونها تعتبر أم المهرجانات في لبنان، تفرض عليها سلسلة من التحديات وتضعها دائما في الواجهة.

من هنا قد تكون الانتقادات التي توجه إلى المهرجانات بمثابة تأكيد على المكانة العالية والاستثنائية التي تتمتع بها، ودعوة إلى الحفاظ على دورها الخاص والذي يكمن حاليا في إعادة الزخم الثقافي إلى البلاد في مواجهة الخراب الذي تسببت فيه السياسة.

وقد تكون أبرز الانتقادات التي توجه إلى المهرجانات تلك التي تتعلق بمعايير اختيار الفرق والفنانين الذين يتم التعاقد معهم لعرض أعمالهم ضمن نشاطات المهرجان.

مهرجانات بعلبك تبقى في النهاية عنوانا لتخاطب ثقافي مع الذات ومع العالم، ومسارا خاصا يتخذ من الفن وسيلة للتواصل في ظل هيمنة الخصوصيات القاتلة

ويرى البعض أن هناك تخففا ما من صرامة هذه المعايير لأسباب عديدة وأبرزها الجانب التسويقي، حيث يتم استقطاب بعض الأسماء التي يتمتع أصحابها بشعبية كبيرة تؤدي إلى زيادة منسوب شراء التذاكر، دون أن تكون هذه الشعبية متناسبة مع المستوى الفني.

وترفض نايلة دو فريج، مديرة مهرجانات بعلبك، رفضا قاطعا التهم التي تساق حول التنازل عن عالمية المهرجانات، وتعلق عليها قائلة “كل الكلام الذي وصل إلى سمعي يعلن أن الأمور على عكس ما يدعيه هذا الاتهام، حيث أن مهرجانات بعلبك هذا العام حرصت على الحفاظ على عالميتها من خلال استقطاب عروض عالمية الطابع من قبيل عرض كركلا الذي كان واحدا من أضخم العروض التي قدمها خلال مسيرته”.

وتسترسل دو فريج “يضاف إلى ذلك استقدام جان ميشال جار، فنان الموسيقى الإلكترونية العالمي، الذي لم يكن إقناعه بالقدوم إلى لبنان سهلا في ظل هذه الظروف القائمة، والفنان العالمي صاحب الأصول اللبنانية ميكا والذي نفدت تذاكر حفلته، كل هذا يؤكد إصرار لجنة المهرجانات على الحفاظ على عالمية المهرجان”.

تشير نايلة دو فريج إلى أهمية المهرجان من الناحية الثقافية معتبرة أن “اللبنانيين يقومون بجهد كبير من أجل الدفاع عن الثقافة، لأن هناك إيمانا لبنانيا بالثقافة، وهو ما تشهد عليه خيارات المهرجانات هذا العام، من قبيل عرض عبير نعمة الذي يحمل عنوان ‘المتنبي مسافرا أبدا’، الاهتمام اللبناني بالثقافة لم يتوقف، ومهرجانات بعلبك هي تتويج لهذا المناخ”.

نايلة دو فريج: الاهتمام اللبناني بالثقافة لم يتوقف، ومهرجانات بعلبك تتويج لهذا المناخ

وتشير مديرة المهرجانات إلى مسألة أسعار البطاقات في المهرجان التي تعرضت لها الصحافة بالنقد، واعتبرت أنها تجعل المهرجانات نخبوية ومحصورة بطبقة محددة، معتبرة أن “هذا الكلام غير صحيح إطلاقا والأسعار مناسبة، وقد بذلنا جهودا كبيرة من أجل جعل أسعار البطاقات مناسبة لكل الفئات، ليس لدينا مدرج كبير، والسعة الكاملة لا تتجاوز الـ3200 مشاهد، والمكان مصمم لكي يستطيع كل المشاهدين، وبغض النظر عن أسعار تذاكرهم المتفاوتة، مشاهدة العرض بشكل واضح”.

وسيلة تواصل

عضو الهيئة العامة لمهرجانات بعلبك، الفنان التشكيلي مازن رفاعي، يعتبر أن المهرجانات هذا العام كانت استثنائية بكل المقاييس، حيث أن هناك “جهودا جبارة بذلت من أجل المحافظة على عالمية المهرجانات والانسجام مع تاريخها، وكان هناك مناخ لافت تمثل في إقبال شديد على حضور عروض المهرجانات بشكل يفوق السنوات السابقة”. ويؤكد الرفاعي عالمية خيارات المهرجانات هذا العام ما عدا استثناءات نادرة، لا تؤثر على البنية العامة للمهرجان التي كانت متماسكة ومنسجمة مع طموحات العالمية.

ويعلن من ناحية أخرى أنه إذا كان هناك نقد ما يمكن أن يوجه إلى المهرجانات، فإن ذلك يكمن في “انفصالها عن المدينة، حيث يجب على المهرجانات التصالح مع المدينة، بمعنى أنه يجب توسيع مناخ المهرجانات ليشمل كل المدينة، كي لا يأتي الناس إلى المهرجانات ويخرجون من المدينة بعد ذلك مباشرة”. ويقترح الرفاعي إقامة مهرجانات محلية شعبية تتزامن مع مهرجانات بعلبك، وتجري فصولها في كل أنحاء المدينة على غرار ما يجري في أصيلة المغربية.

ويحدد الرفاعي وظيفة مهرجانات بعلبك ودورها في أنها ضرورة للبنان وضرورة لمدينة بعلبك، لأنها تساهم في خلق هذا المناخ الثقافي المتصالح مع نفسه ومع العالم، وترسم صورة للمدينة بوصفها مدينة منفتحة تعود ملكيتها إلى التراث الثقافي العالمي الذي تشكل جزءا منه.

ويختم الرفاعي حديثة بالتأكيد على أن أهمية منطق المهرجانات وخطابها على المستوى اللبناني يكمنان في “تقديم صورة لبعلبك تقول إنها جزء أساسي من لبنان، وليست مدينة غارقة في خصوصية معينة”. وتبقى مهرجانات بعلبك في النهاية عنوانا لتخاطب ثقافي مع الذات ومع العالم، ومسارا خاصا يتخذ من الفن وسيلة للتواصل في ظل هيمنة الخصوصيات القاتلة.

16