مهرجان آفينيون يكرم روح جان فيلار بمسرحية "أحلام أمير هامبورغ"

الاثنين 2014/08/04
المسرحية تثير أسئلة عديدة تجعلها لغزا دائما على مر الأجيال

باريس – تحية لروح جان فيلار مؤسس مهرجان أفينيون الفرنسي، وقعت برمجة مسرحية “أحلام أمير همبورغ” التي كان أعدّها رجل المسرح الفرنسي للمهرجان نفسه عام 1951، وتقمص فيها دور البطولة إلى جانب نجوم تلك الفترة كجان ديشان وجان نغروني ومونيك شوميت وخاصة جيرار فيليب وجان مورو. وبعد إلغاء وإرجاء، بسبب إضراب نفر من أهل القطاع، تم عرض المسرحية التي جاءت هذه المرة بإخراج الإيطالي جورجو بربيريو كورسيتي.

المسرحية من تأليف الألماني هاينري خفون كليست (1777 /1811)، وهو علم من أعلام عصره، جاب أوروبا شرقا وغربا، وكان له إسهام في فقه القانون والقصة والشعر والمقالة السياسية وأدب التراسل والفلسفة، وإن بدا شديد التأثر بكانْت وروسو. رومانسي قبل الرومانسية.

كتب تسع مسرحيات، آخرها “أمير همبورغ” التي انتهى من تأليفها عام 1810، أي قبل سنة من انتحاره، واستوحاها من مذكرات فريدريخ الثاني.

هي دراما شعرية من خمسة فصول، تصور لحظات من حياة الأمير فريدريخ أرترفون همبورغ، عشية معركة حاسمة ضدّ القوات السويدية، فقد ضبط وهو في حالة السائر في المنام. بينما كان عمه، ملك البلاد وقائد جيوشها، يمازحه بأن يخلع عليه ألقابا وأمجادا وهمية، انسحبت ابنته نتالي، خطيبة الأمير، تاركة أحد قفازيها عنده.

ولما استعاد الأمير وعيه، فوجئ بالقفاز في يده، وتساءل ما إذا كان يحلم أم لا، وهو يسمع الملك يصدر أمره بعدم الهجوم إلا بإذنه. ثم يستعر القتال، وفي خضم المعركة، يظن الأمير أن الملك قُتل، فيأمر جيوشه بشن الهجوم ويحقق النصر، ولكن اتضح أنه خالف الأوامر، فالملك لم يقتل، وإذنه لم يصدر.

لذلك قرر أن يعاقب الأمير على مخالفته الأوامر وخروجه عن الصف عقابا عسيرا ليكون عبرة لمن يعتبر. وزاد على ذلك فترك له تخيّر طريقة عقابه بنفسه. حز في نفس الأمير أن يكون موته نهاية تافهة لا شرف فيها ولا مجد، ولكنه رضي بالحكم حفاظا على المصلحة العليا للبلاد.

وعندما أزال عن عينيه العصابة التي وضعها الجلاد، اكتشف أنه في الكنيسة، قبالة الملك وبطانته وحاشيته، وأنه بصدد الزواج من نتالي. فمن يكون فريدريخ أرترفون همبورغ هذا؟ هل هو أمير تباركه الآلهة؟ أم رجل تهواه قريبته؟ أم شخص لا يستطيع أن يغادر أحلامه؟ أم بطل بالصدفة؟

المسرحية في الواقع ذات منحى سياسي، فقد عدّها النقاد منذ عرضها الأول رسالة من فون كليست إلى أسرة الهوهنزوليرن البروسية، لحثها على إعلان الحرب على نابليون بونابرت وتحرير الأراضي الألمانية. ولكن كورسيتـي لم يلتزم بهذا الجانب التاريخي، وفضل عليه أبعادا أخرى، لأن المسرحية في رأيه تثير أسئلة عديدة تجعلها لغزا دائما على مرّ الأجيال.

المسرحية في نظر مخرجها كورسيتـــي تراجيديــــــا تتخللها تجليات خاطفة ومواقف متشظية

ففيها تخالط الضخامة الدقة، ويمتزج الحلم بالواقع، واقع الموت إذ يرود بالأشخاص ويسير الحروب، أو واقع الموت إذ يصبح صنوا لاحترام الواجب وتطبيق القانون. كليست يحدثنا عن عصيان أمير كان من جرائره الحكم عليه بالإعدام، مثلما يحدثنا عن أحلام ذلك الأمير وعالمه الموازي.

أما كورسيتي فيبين أن قوة المسرحية تكمن في حالة اللاشعور التي تكتنفها، حيث “إيقاع اللغة له ما للمعنى من أهمية”، فهي في رأيه تراجيديا تتخللها تجليات خاطفة ومواقف متشظية ولحظات تتراوح بين الضوء والعتمة.

نقاد آخرون رأوا فيها تصويرا بارعا لأمرين متصارعين هما أحكام المشاعر في ومواجهة أحكام الدولة، فهي تطرح مسألة طاعة القانون أو الارتهان إليه والخضوع له في علاقتها الجدلية بحرية الفرد أو الرعية.

وبالرغم من انتمائها إلى عصر غير عصرنا لا تزال المسرحية تنظر إلى النزاعات التي تعتمل وتضطرم وتتصارع داخل المرء كقوانين تضبط المجتمع وتسيره. وبرغم تلك المسائل الشائكة التي تتناولها، ظل العرض وفيا لما كان الفرنسي جان أنوي عبر عنه عام 1951 بعد أداء جانفيلار وفرقته: “هذا عمل رائع، صيغ بإشراق".

ذلك أن كورسيتي، بفضل خبرته في المسرح والأوبرا وعروض السيرك، استطاع أن ينفذ إلى جوهر النص ويجلو منه حقائقه، ليقدمها في ثوب مستجد قل أن يكرره، سواء بالإلحاح على الحضور الركحي والتركيز على لغة الجسد ونبرات الصوت، أو باستعمال التقينات الحديثة كالفيديو والآلات المتنوعة لتقديم عروض تلبي طموحه.

وهذا ليس بغريب على فنان يعشق إلى جانب الأعمال الدرامية الراقية، عيون المدونة الأدبية والروائية والفكرية. فالمعروف أنه يجوب البلدان منذ أواسط السبعينات ليقرأ على الركح نصوص الفحول من أوفيد وشكسبير وموليير إلى توماس مان وجورج بوخنر ومياكوفسكي وراموز وديمترياديس وخاصة فرانز كافكا، كاتبه المفضل، حتى أن فرقته صارت منذ 2001 تعرف بـ “فاتوريكا".

مرة أخرى، يدافع كورسيتي عما يعتبره أهم شيء في المسرح ألا وهو النفس الشعري. الطريف أن إيطاليين آخرين حوّلا هذه المسرحية إلى السينما، بالعنوان نفسه، أولهما غبريالي لافيا عام 1983، والثاني ماركو بولوكيو عام 1997.

16