مهرجان أبوظبي يطرح وضعية السينمائي العربي في أوروبا

الجمعة 2014/11/07
السينمائي العربي بين مطرقة البلد المضيف وسندان البلد الأم

أبوظبي- تحت شعار “الروح تتوق إلى الوطن” أقام مهرجان أبوظبي السينمائي المنتهي حديثا، ندوة خاصة لمناقشة موضوع عمل السينمائيين العرب في المهجر الأوروبي.

دعا المهرجان عددا من السينمائيين أصحاب التجارب والرؤى المختلفة لمناقشة تجاربهم، وهم المخرج العراقي الكردي هشام زمان، والمخرج الجزائري الأصل (الهولندي الجنسية) كريم طريدية، والمخرج المصري الأصل الألماني الجنسية سمير نصر، وأخيرا المخرج الموريتاني الأصل الفرنسي الجنسية عبدالرحمان سيساكو.

خصص مهرجان أبوظبي قسما لعرض مختارات من الأفلام العربية التي أخرجها السينمائيون العرب في المهجر الأوروبي. وفي تقديمه لأفلام هذا القسم في “كتالوغ” المهرجان كتب انتشال التميمي مدير البرامج العربية في المهرجان يقول إن: “الهجرة العربية إلى الشمال بدأت في الخمسينات، ولكن ملامح النتاجات السينمائية الخاصة بمخرجين عرب اختاروا الهجرة أو دفعوا إليها لأسباب سياسية واقتصادية، وجدت طريقها متأخرة، لذلك تنحصر تواريخ إنتاج أفلام برنامجنا في الأعوام العشرين الأخيرة”.

ويمضي مع استعراض البرنامج فيقول إنه يضمّ أفلاما لمخرجين من أصول عربية، جرت أحداثها في بلدان إقامتهم كما هي الحال مع “أهلا ابن العم” لمرزاق علواش، أو “يلا يلا” لجوزيف فارس، أو في بلدانهم الأم، كما مع “ماروك” لليلى مراكشي، و”يوم جديد في صنعاء القديمة” لبدر بن حرسي و”بالوما اللذيذة” لنذير مقناش.

ما وقع في 11 سبتمبر 2001 كان نقطة فاصلة في علاقة سمير نصر بألمانيا؛ فقد بدأ سؤال الهوية يطارده

وأفلام بلغة البلد الثاني، كما هي الحال مع “أضرار لاحقة” لسمير نصر، و”يلا يلا” و”أهلا ابن العم” أو باللغة العربية أو الكردية، كما في “يوم جديد في صنعاء القديمة” و”الأب” لهشام زمان، بينما قدم كريم طريدية فيلمه “العروس البولندية” الذي لا يرتبط بأيّة صلة عربية، والذي يصبح جزءا من الضمير الهولندي، وقد اختير واحدا من أفضل عشرة أفلام في تاريخ السينما الهولندية. وخلال الندوة تولى انتشال التميمي تقديم المخرجين الأربعة، وأدار الحوارات معهم على المنصة الرئيسية، كما أدار المناقشة مع جمهور الحاضرين.

المخرج كريم طريدية ذكر أنه بدأ دراسة السينما متأخرا كثيرا، أي عندما كان في الثامنة والثلاثين من عمره، وعندما أخرج فيلمه الأول كان قد بلغ الثانية والأربعين. وأكد أنه يشعر بأن هويته في الجزائر، وقال إنه عندما صنع فيلمه الأول استلهمه من حياته الخاصة ومن علاقة والديه ببعضهما البعض، فهما لم يكونا يتحدثان معا أبدا، وعندما كان والده يرغب مثلا في أن تأتيه زوجته ببعض السكر لتحلية القهوة، كان يوجه الحديث لابنهما بشير، فتحضر هي السكر وتخاطب بشير ثم تناوله إياه.

يشكو طريدية من أن الهولنديين كانوا يرفضون أن يصنع ما يطلق هو عليه أفلاما “طبيعية”، أي أفلاما تتناول شخصيات ومواضيع هولندية، بل كانوا يقولون له: ما شأنك أنت وهذه القضايا، ولم لا تصنع فيلما عن قضايا المهاجرين العرب؟ وما إلى ذلك!

تحدث طريدية أيضا عن عودته إلى الجزائر، وكيف أنه وجد نفسه يشعر بالغربة الشديدة هناك، فقد وجد الجميع يعاملونه على أنه “ليس منهم”، بل ينتمي إلى الخارج، وأن أقسى ما يمكن أن يتعرض له إنسان هو أن يشعر بالغربة داخل وطنه.

أما هشام زمان الذي جاء من كردستان العراق، فقد حكى أنه ذهب مع أهله إلى النرويج عندما كان في السابعة من عمره، ودرس عندما بلغ السابعة عشرة في مدرسة الفيلم، وأخرج أول أفلامه الذي كان عن المهاجرين، ولكن ليس من خلال رؤية سياسية، بل كان فيلما ذا بعد إنساني. ويقول إنه اختار موضوعا يدور حول العاملين في الأدوار الثانوية في السينما الأوروبية من المهاجرين أي الكومبارس.

أما المخرج سمير نصر فقال إنه ينتمي إلى أم ألمانية وأب مصري، وأنه يجيد اللغة الألمانية التي درسها في ألمانيا، ولكنه يجيد أيضا اللغة العربية. ويضيف أنه يجد نفسه قريبا من كلاسيكيات السينما المصرية وخصوصا أفلام المخرج صلاح أبو سيف، كما أبدى إعجابه بأفلام المخرج الفرنسي من أصل يوناني كوستا غافراس، وخصوصا فيلمه “زاد” (Z)، الذي كان أول فيلم سياسي يحقق نجاحا جماهيريا كبيرا في العالم.

ورغم ألمانيته ودراسته للثقافة الألمانية منذ الطفولة وارتباطه بألمانيا التي يقيم فيها، إلاّ أن الألمان ظلوا طويلا يرفضون تمويل فيلمه الجديد الذي يعتزم البدء في تصويره مطلع العام القادم، والمأخوذ عن رواية لصنع الله إبراهيم. وقالوا له إنه فيلم مصري في موضوعه وشخصياته، فلماذا لا ينتجه المصريون؟

أخرج سمير نصر فيلما قصيرا عرض في مهرجان لوكارنو وفاز بإحدى جوائزه، وكانت أفلامه بعد ذلك ذات علاقة بألمانيا أو أفلاما ألمانية

أخرج سمير نصر فيلما قصيرا عرض في مهرجان لوكارنو وفاز بإحدى جوائزه، وكانت أفلامه بعد ذلك ذات علاقة بألمانيا أو أفلاما ألمانية. لكن ما وقع في 11 سبتمبر 2001 -كما يقول- كان نقطة فاصلة في علاقته بألمانيا، إذ بدأ الآخرون يحددون نظرتهم إليه طبقا للونه واسمه، وبدأ سؤال الهوية يطارده.

ويضيف: «كانت علاقتي بمصر دائما قوية، ولكن عندما أخرجت فيلمي “بذور الشك” (2005) الذي كان يوجه النقد للمجتمع الألماني، كانت ردود الفعل تعبّر عن رفضهم للفيلم وكانت تقال لي أشياء من قبيل “لا يحق لك أن تطرح مثل هذا النقد للمجتمع الألماني” باعتباري أجنبيا بالطبع».

وبعد ذلك تلقى عرضا من قناة تليفزيونية ألمانية لإنجاز فيلم عن الإرهاب، يكرس لفكرة أن الإرهاب عربي أو أن العرب إرهابيون. وكانت هذه نقطة فاصلة بالنسبة إليه، فقد قرر إخراج أفلامه في مصر، وفيلمه القادم سيكون عن رواية “شرف” لصنع الله إبراهيم وموضوعه مصري مئة بالمئة.

المخرج الموريتاني عبدالرحمان سيساكو، صاحب “في انتظار السعادة وتمبكتو” قال إنه ولد في مالي ولكن والديه من موريتانيا، ودرس في موسكو ثم انتقل للعمل في فرنسا، وبالتالي فتجربته مستمدة من هذه الثقافات جميعها وأضاف أن التنوع الثقافي أفاده كثيرا.

ويضيف: “توجهت إلى السينما منذ الصغر ونشأت في مالي لأن أسرتي كانت تقيم هناك، ثم عدت إلى موريتانيا عندما كنت في التاسعة عشرة، وفي 1982 ذهبت للدراسة في موسكو، وبقيت هناك حتى 1992، ثم تحوّلت إلى فرنسا وعملت في الإخراج، ومن الطبيعي أن نتأثر بتجاربنا الذاتية المتعددة”.

ويختم مداخلته قائلا: “هويتي الأصلية أنني فنان، أي أنني أنتمي إلى الفن وليس إلى أيّ جغرافيا. أنا موريتاني حقا، لكن من الممكن أن أكون أيضا قطريا، أو من أيّ دولة أخرى. ما يلهمني هو ما أمرّ به في حياتي، وأعتبر نفسي إنساني التوجه”.

أما المداخلة الشخصية لكاتب هذا المقال فقد تركزت حول ما أطلق عليه “تناقضات النزعة المركزية الثقافية الأوروبية”؛ فالأوروبيون يطالبون القادم من الخارج أي المثقف المهاجر وغيره من المهاجرين، بضرورة الاندماج في المجتمع الأوروبي الجديد، ونبذ التشبث بتقاليده، ويشكون عادة من تمسك المهاجرين بأزيائهم ولغاتهم وطعامهم ورفضهم التعرف على ثقافة المجتمع الجديد.

فلما يستجيب المثقف المبدع لما يطالبونه به، أي يقترب ويتعمق في فهم الثقافة الأوروبية، ويريد أن يصنع أفلاما تعبر عن رؤيته لما يجري في المجتمع الذي يعيش فيه، يقال له: من أنت أيها الغريب القادم من الخارج لكي تتحدث عن المجتمع الألماني مثلا؟”.

تماما كما أشار المخرج الألماني المصري سمير نصر في مداخلته، وكما قال المخرج الهولندي الجزائري الأصل كريم طريدية، الذي قال تحديدا إنه ليس مسموحا له بإخراج ما أطلق عليه “أفلاما طبيعية”، أي هولندية، فلا علاقة لها بأمور المهاجرين والعرب ومشاكل المسلمين وغير ذلك.

يشكو طريدية من أن الهولنديين كانوا يرفضون أن يصنع ما يطلق هو عليه أفلاما "طبيعية"

وعندما يقول عبدالرحمان سيساكو إنه ينتمي للفن وأن هوية الفنان هوية فنية وليست جغرافية أو سياسية، فإنني أجد أن هذا القول غريب، فسيساكو بالذات صنع كل أفلامه عن قضايا ومواضيع تنتمي إلى ثقافته، لا عن قضايا المجتمع الفرنسي أو عن فرنسا التي تموّل أفلامه. والهوية لا شك أنها هوية ثقافية أساسا، وليست بالطبع جغرافية.

الجانب الآخر الذي يوضح تناقض النزعة المركزية الثقافية الأوروبية التي تحبّ أن ترى الأشياء من منظارها الخاص، يتمثل في أن السينمائي المهاجر عندما يصنع أفلاما عن قضايا تنطلق من المحيط الثقافي الذي جاء منه، يكون مطلوبا منه إرضاء النزعة المركزية الأوروبية، أي أن يهتمّ بما تهتمّ به.

كأن يركز مثلا على تقديم صور وقوالب نمطية عن المسلمين والإسلام، أو أن يصوّر مواضيع تتعلق بـ”الإرهاب الإسلامي” وهي بضاعة رائجة اليوم. والدليل على هذا أن سمير نصر وجد صعوبة في الحصول على تمويل لفيلمه (المصري)، الذي يدور حول موضوع مصري خارج إطار تلك النظرة المركزية.

فهو يقول أنهم قالوا له: ما شأننا نحن بفيلم كهذا ولماذا لا ينتجه المصريون؟ أما إذا كان سمير نصر قد وضع شخصية لشخص مثلي الجنس يعاني في المجتمع المصري مثلا، أو شخصية مسيحي يشعر بالغربة والضغوط القائمة في مجتمع إسلامي فربما كانوا قد رحبوا بإنتاجه.

16